ثم قال:

ومن رحمة الشريعة أنها أثبتت للأمم معتادها وأحوالها الخاصة إذا لم يكن فيها استرسال على فساد، ففي الموطأ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية وأيّما دار أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام)) (?) ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: ((وهل ترك لنا عقيل من دار؟)) (?) يريد أن عقيل بن أبي طالب فرقها في حكم الجاهلية فلم ينقضه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة.

ثم قال [ص105، 106] :

... إن مقاصد الشريعة من أحكامها كلها إثبات أجناس تلك الأحكام (?) لأحوال وأوصاف وأفعال من التصرفات خاصها وعامها باعتبار ما تشتمل عليه تلك الأحوال والأوصاف والأفعال من المعاني المنتجة صلاحًا ونفعًا أو فسادًا وضرًّا قويين أو ضعيفين فإياك أن تتوهم أن بعض الأحكام منوط بأسماء الأشياء أو بأشكالها الصورية غير المستوفاة للمعاني الشرعية فتقع في أخطاء في الفقه مثل قول بعض الفقهاء في صنف من الحيتان يسميه البعض خنزير البحر أنه يحرم أكله لأنه خنزير، ومن يقول بتحريم، نكاح امرأة زَوَّجها إياه وليها بمهر وزوَّج هو ذلك الوليَّ امرأةً هو وليُّها بمهر مساوٍ لمهر الأخرى أو غير مساوٍ لاعتقاد أن هذا من الشغار، لأن شكله الظاهر كشكل الشغار مغمض العينين عن المعنى والوصف الذي لأجله أبطلت الشريعة نكاح الشغار وإنما حق الفقيه أن ينظر إلى الأسماء الموضوعة للمسمى أصالة أيامً التشريع، وإلى الأشكال المنظور إليها عند التشريع من حيث إنهما طريق لتعرف الحالة الملحوظة وقت التشريع لتهدينا إلى الوصف المرعي للشارع كما سيجيء في مبحث نوط التشريع بالضبط والتحديد. ولقد أخطأ من هنا بعض الفقهاء أخطاء كثيرة مثل ما أفتى بعض الفقهاء بقتل المشعوذ باعتبار أنهم يسمونه سحارًا مغمضين أعينهم عن تحقيق معنى السحر الذي ناط الشرع به حكم القتل، فمن حق الفقيه إذا تكلم على السحر أو سئل عنه أن يبين أو يستبين صفته وحقيقته وأن لا يفتى بمجرد ذكر اسم السحر فيقول: يقتل الساحر ولا تقبل توبته إن ذلك عظيم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015