صيغة العقد:
سبق وأن قلنا إن العقد عبارة عن ارتباط إرادتين في مجلس واحد، يسمى مجلس العقد، وإن هذا الارتباط ينبئ عن الرضا والاختيار اللذين يعتبران هما أساس العقد وركنه الذي لا يقوم بغيره (?) .
وبما أن الرضا أمر خفي ليس بالإمكان معرفته، أقام الشارع مقامه ما يدل عليه من قول أو فعل محسوس. وبهذا تكون الإرادة الظاهرة هي المظهر الخارجي للتعبير عن الإرادة الباطنة، فالإرادة الباطنة التي يعبر عنها بالرضا هي الركن الحقيقي للعقد، وإلى هذا تشير عبارات كثير من الفقهاء رحمهم الله تعالى.
قال ابن عرفه المالكي: (ينعقد البيع بما يدل على الرضا) (?) . وقال الخطيب الشربيني: (وإنما احتيج في البيع إلى الصيغة لأنه منوط بالرضا، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [سورة النساء: الآية 29] . ولقوله (صلى الله عليه وسلم) : ((إنما البيع عن تراضٍ ... )) ، ثم يضيف قائلًا: إن الرضا أمر خفي لا يطلع عليه فأُنيط الحكم بسبب ظاهر وهو الصيغة) (?) .
وحكى ابن عابدين عن بعض كتب المذهب، أن ركن البيع الفعل الدال على الرضا بتبادل المِلْكين من قول أو فعل (?) . وجاء في الروض النضير نقلًا عن بعض المحققين: (لما كان البيع وغيره من المعاملات بين العباد أمورًا مبنية على فعل قلبي وهو طيبة النفس ورضى القلب وكان ذلك أمرًا خفيًّا أقام الشرع القول المعبر عما في النفس مقامه وناط به الأحكام على ما اعتيد من إقامة الأمور الظاهرة المنضبطة مقام الحكم الخفية في تعليق الأحكام بها، واعتبر أن يصدر عن قصد من المتكلم بها فلم يعتبر بكلام الساهي ولا من سبقه لسانه ولا من الحاكي ولا من المكره ولا من الجاهل لمعانيها بالكلية كالأعجمي حيث نطق بها بكلام عربي لا يعرف معناه أصلًا ونحو ذلك) (?) .