وقوله: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ} ، وأما اقرأ فقوله تعالى: {كَذَّبَ وَتَوَلَّى} ، و {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} ، وقوله: {إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى} ، وقولها: حتى إذا ثاب، أي رجع نزل الحلال والحرام أشارت به إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل وأنه أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد والتبشير للمطيعين والإنذار للجاحدين الكافرين فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام ولهذا قالت: ولو نزل أول شيء ولا تشربوا الخمر إلى آخره وذلك لانطباع النفوس بالنفرة عن ترك المألوف وتعلقها بما تعودت به وتشبثها بما استأنست به (?) .
وتبدو هذه الظاهرة جلية واضحة لدى المسنين، فهم أكثر الناس تشبثًا بالقديم وتمسكًا بالعوائد والتقليد رافضين لكل جديد ولو بدا القديم غير صالح أو باطلًا.
ولا شك أن العرف تولده الحاجات التي تنقلب إلى عادات تكرر وتتجدد حتى تصبح نظامًا معتبرًا تنبني عليه الأحكام وتجري الفتوى على ما تقتضيه مما يعرض للناس في معاشهم ويكشف عن مقصودهم ونياتهم وعما اصطلحوا عليه في كلامهم.
ولهذا كان اعتبار العرف والاعتداد به مما يسهل مهمة القاضي في القيام بواجبه وتنكبه الحق والصواب في إصدار أحكامه، وأول ذلك أنه به يفرق بين المدعي والمدعى عليه، كما تقدم بيانه وإذا عرف المدعي من المدعى عليه لا يخطئ في من يطالب بالبينة ومن يطالب باليمين عند عجز المدعى عن إقامة البينة ولذا نجد الفقهاء، وأهل القانون متفقون على أن النصوص وحدها لا تغني عن العرف ذلك أن النصوص لا تستوعب جميع الجزئيات والتفاصيل لذا لم يكتف أهل الأصول بالنصوص بل اعتبروا أدلة أخرى كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعادات وغيرها من القواعد والأدلة التي اعتمدها الفقهاء، ثم أن المصالح تختلف باختلاف الزمان والمكان والعوائد قد تتغير من بلد إلى بلد حتى استحسن بعضهم تعيين القضاة من أصل البلد لأنهم أعرف بعوائدها وتقاليدها وبذلك يبتعدون عن الوقوع في الخطأ في أحكامهم وقضائهم، وقلما خلا باب من أبواب الفقه من الاعتماد على العرف والعادات حتى في الجرائم والعقوبات جاء في التشريع الجنائي أن التعدي على الإنسان بالشتم والإهانة يعتبر من الكلام ما كان العرف يقضي بأنه شتم وتعد على كرامة الإنسان وتعتبر أن الإنسان مسؤول عن الترك والامتناع فيما يوجب العرف فيه العمل ويعتبر بهذا الترك جانبًا، كذلك تعتبر العادة في التعازير وهي تختلف باختلاف البلدان والعادات فما قد يباح في بلد ما قد يمنع في بلد آخر وما قد يعاقب عليه في جهة لسبب ما قد يعاقب عليه في آخر لوجه آخر، وقد يكون العرف حجة في جريمة من الجرائم، أو عقوبة من العقوبات (?) .