وعرفه الحنابلة في معرض كلامهم عن شروط المبيع فقالوا: (هو ما فيه منفعة مباحة لغير حاجة أو ضرورة) (?) . وعرفوه أيضًا بأنه: (ما يباح نفعه مطلقًا، أي في كل الأحوال، أو يباح اقتناؤه بلا حاجة) (?) .
وعلى تعريفهم هذا يخرج ما لا نفع فيه أصلًا كالحشرات، وما فيه منفعة محرمة كالخمر، وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب، وما فيه منفعة مباحة للضرورة كالميتة (?) .
أما الحنفية فوقع الخلاف في تعريف المال بينهم وبين الجمهور من جهة، وفيما بين المتقدمين منهم والمتأخرين من جهة ثانية، فعرف المتقدمون المال بما يفيد أنه (كل ما يمكن حيازته وإحرازه والانتفاع به في العادة) (?) . فمدار كون الشيء مالًا إمكان حيازته والانتفاع به في حكم العادة، وإن لم يكن محرزًا ومنتفعًا به فعلًا. وما لا يمكن حيازته كالعفة والشجاعة والذكاء فلا يعد مالًا، وكذا ما لا ينتفع به في حكم العرف والعادة، كقطرة من ماء وحبة شعير، فإنه لا يعد مالًا وإن أحرز.
ومراد الحنفية بالانتفاع في العادة، أن الشارع يجيز الانتفاع في حال الاختيار، أما إذا كان الانتفاع بالشيء في حال الاضطرار فلا يدخل حينئذٍ في حكم المنتفع به في العادة.
فالخمر كانت حرامًا إلا أنها مال لجواز أن ينتفع بها بوجه ما حال الاختيار، فالخمر وكذا الخنزير مال متقوم في حق الذميين – على خلاف وتفصيل عند الفقهاء – لكن الميتة والدم المسفوح ليسا بمال، لأن الشارع لم يجوز الانتفاع بهما بحال حال الاختيار (?) .
ويقول السرخسي: (المال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به ولكن باعتبار صفة التمول والإحراز) (?) .
ويقول صاحب الدرر: (والمال ما يميل إليه الطبع ويجري فيه البذل والمنع) أو (هو موجود يميل إليه الطبع ... ) (?) .
وقال ابن عابدين: (المال عين يمكن إحرازها وإمساكها) (?) . وفي مجمع الأنهر: المال (عين يجري فيه التنافس والابتذال) (?) .أي بذل العوض.
وعرفه سعد الدين التفتازاني بأنه: (ما يميل إليه الطبع ويدخر لوقت الحاجة، أو ما خلق لصالح الآدمي ويجري فيه الشح والضنة) (?) .
وقال الشيخ أبو زهرة: (أحسن تعريف في نظري ما نقله صاحب البحر عن الحاوي وهو أن المال اسم لغير الآدمي خلق لصالح الآدمي، وأمكن إحرازه والتصرف فيه على وجه الاختيار) (?) .
وأما متأخروا الحنفية فقد عرفوا المال فقالوا: (يطلق المال على القيمة، وهي ما يدخل تحت تقويم مقوم من الدراهم والدنانير) (?) .
فشمل هذا التعريف الأعيان والمنافع والحقوق، فمناط المالية عندهم هو القيمة التي تقدر بالنقد، فكل ما له قيمة هو مال؛ لأن كل ما فيه قيمة هو منفعة، والناس لا يتعارفون على تقويم ما ليس فيه منفعة، إذ لا يجري التعامل فيها أصلًا.