قلت: وقد كان يمكن أن ننقل أقواله هذه كما نقلنا أقوال غيره من الفقهاء من غير أن نقف عندها بالذات لولا أن أقواله هذه تخالف - ليس أقوال الحنابلة فحسب - ولكن ما جرى عليه جمهور الأمة من أن الدينار والدرهم اللذين كان أداة التعامل بين الناس في العصر النبوي وبهما تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم كانا معروفي الوزن وإن لم يكونا مسكوكين بسكة إسلامية استحدثت في العهد النبوي، وأن السكة التي استحدثت بعد ذلك سواء على يد عمر أو غيره من الصحابة - رضوان الله عليهم - أو على يد عبد الملك بن مروان وعامله الحجاج مما أوضعناه وسقنا الروايات المختلفة بشأنه في الفصل السابق إن كانت على المقدار المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تعامل به واعتبره المقدار القار لكل من الدينار والدرهم عندما سن - بيانًا أو ابتداءً - ما سن من الشعائر التعبدية أو الجنائية أو المتصلة بالمعاملات ذات العلاقة بالذهب والفضة، بل إن المكيال والوزن اللذين شرع اعتبارهما أساسًا للتعامل بين الناس، ولتقدير أنصبة الزكاة في الحديث الذي سقناه سابقًا ((المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة)) قد بينا في الفصل السابق أنهما قائمان على تقدير للأوقية والدينار والدرهم، وهذا لم يختلف فيه الحنابلة ولا غيرهم من فقهاء المذاهب ولا من كان قبلهم من فقهاء الصحابة والتابعين وأصحاب الحديث والإخباريين، وقد يكون من المفيد أن ننقل ما قاله ابن قدامة عن ذلك في المغنى (2/701) .

طور بواسطة نورين ميديا © 2015