أمَّا الفريق الثَّالث فيرى: أنَّ هذه الأفعال من باب ما يتعدَّى إلى مفعولين أحدهما بنفسه، والآخر بحرف الجرِّ؛ كالفعل (اختار، وأمر، واستغفر ... ) وأخواتها، وأنَّ الأصل في نحو: نصحت زيداً، نصحت لزيدٍ رأيَه؛ أُخذ من: نصح الخائطُ الثوبَ، إذا أصلحه، وضمَّ بعضه إلى بعض (1) ، فاستُعير في الرَّأي؛ وقيل: نصحت له رأيَه؛ أي أخلصته وأصلحته له، ثم حُذف المفعول الثَّاني، وأُسقط حرفُ الجرِّ من المفعول الأوَّل؛ لتضمُّن (نصح) معنى: (أرشد) ، وكذلك (شكر) فإنَّ الأصل فيه على رأي هؤلاء: شكرت لزيدٍ إحسانَه، فحُذف المفعولُ الثَّاني، وقيل: شكرت لزيدٍ، ثم حُذف حرفُ الجرِّ، لتضمُّن (شكر) معنى: (حمِد) أو (مدح) (2) .
ولاشكَّ في أنَّ الَّرأي الأوَّل هو الَّرأي الرَّاجح؛ لكثرة استعمال الوجهين، ولبعده عن تكلُّف تقدير الحذف، وبعده عن التَّضمين الَّذي هو ليس بقياس (3) ، وأحسبه هو الرَّأي الَّذي أخذ به ابن سِيْدَه؛ لأنَّه عدَّهما لغتين.
من باب التَّنازع
مسألة:قضيَّة التَّنازع
وقضيَّته تتلخَّص في أن يتنازع عاملان على معمولٍ واحد (4) ، وقد يختلف مطلبُهما، وقد يتفق، وقد وردت صورتاهما في شعر المتنبِّي؛ فأمَّا الصُّورة الأولى؛ وهي عندما يختلف مطلبُ العاملين، فقد جاءت في قول المتنبِّي:
ألَمْ يَسألِ الوبْلُ الَّذي رَامَ ثَنْيَنَا فَيُخْبِرَهُ عَنْكَ الحَدِيدُ المُثَلَّمُ (5)