ويلحق بأفعال القلوب في هذا الحكم (رأى) البصريَّة؛ حيث حُملت على (رأى) القلبيَّة (1) ، لذا عندما قال المتنبِّي:
يَرَى حَدُّهُ غَامِضَاتِ القُلُوبِ إٍذا كُنتُ في هَبْوَةٍ لا أَرَاني (2)
لم يتردَّد ابن سِيْدَه في عدِّ (أراني) بصريَّة، معلِّلاً رأيه بقوله: " لمَّا كانت (أرى) الَّتي هي للعين مطابقةَ اللَّفظ ل (أرى) الَّتي هي للقلب، وهذه تتعدَّى على هذه الصُّورة؛ لأنَّها غيرُ حسيَّة؛ كقولهم: أراني ذاهبًا، استجاز أن يجري (أرى) الَّتي هي للعين مجراها " (3) ، ويستدلُّ على هذا بما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: أما ترى أيُّ برقٍ هاهنا (4) ؛ حيث عُلِّقت فيه (أرى) عن العمل، ورؤية البرق بصريَّة لا نفسانيَّة.
من باب (أعلم وأرى)
مسألة: نهاية التعدِّي
وعنى بها: أنَّ هذه الأفعال لمَّا تعدَّت إلى ثلاثة مفعولين، ولم يعد بمقدورها أن تتعدَّى أكثر، عادت كالفعل اللَّازم الَّذي لا يتعدَّى، وأشبهت بذلك تصغير (لُيَيْلتُنا) في قول المتنبِّي:
أُحَادٌ أم سُدَاسٌ في أُحادِ لُيَيْلَتُنَا المَنُوطَةُ بالتَّنَادِي (5)
وتصغير (جبل) في قول أوس بن حجر:
فُوَيقَ جُبَيْلٍ شَاهِقِ الرَّأسِ لم يَكُنْ لِيَبْلغَهُ حتَّى يَكِلَّ ويَعمَلا (6)