قال القرطبي في مقدّمة تفسير سورة هود: قال أبو عبد الله: فالفزع يورث الشيب، وذلك أن الفزع يذهل النفس فينشف رطوبة الجسد وتحت كلّ شعرة منبع ومنه يعرق فإذا انتشف الفزع رطوبته يبست المنابع فيبس الشعر وابيض كما ترى الزرع الأخضر بسقائه فإذا ذهب سقاؤه يبس فابيض، وإِنّما يبيض شعر الشَّيخ لذهاب رطوبته ويبس جلده، فالنفس تذهل بوعيد الله وأهوال ما جاء به الخبر عن الله فتذبل وينشِفُ ماءَها ذلك الوعيد والهول الَّذي جاء به، فمنه تشيب، قال الله تعالى: س يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ش (?) ، فإنما شابوا من الفزع، وأمّا سورة هود فلمّا ذكر الأمم وما حلّ بهم من عاجل بأس الله تعالى فأهل اليقين إذا تلوها تراءى على قلوبهم من ملكه وسلطانه ولحظاته البطش بأعدائه فلو ماتوا من الفزع لحقّ لهم ولكن الله تبارك وتعالى اسمه يلطف بهم في تلك الأحايين حتَّى يقرؤوا كلامه، وأمّا أخواتها فما أشبهها من السور مثل الحاقة، وسأل سائل المعارج، وإذا الشمس كوّرت، والقارعة، ففي تلاوة هذه السور ما يكشف لقلوب العارفين سلطانه وبطشه فتذهل منه النفوس وتشيب منه الرؤوس، قلت: وقد قيل: إنّ الَّذي شيّب النَّبي (من سورة هود قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ((?) .

وقيل: إن سبب شيبه من سورة هود ذكر ما حلّ بالأمم السابقة فيها من العذاب فكأنّ حذره على هذه الأمّة مثل ذلك شيّبه عليه الصلاة والسلام (?)

طور بواسطة نورين ميديا © 2015