ومن هذا يتبين ضلال النصارى واختلافهم في مراحل إقرار ألوهية الروح القدس،وأنهم ليسوا على شئ، حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، إذ قد أقروا ببعض الحق وضلوا عن أكثره، فحين أقروا ببعض الأعمال والوظائف الموكولة إلى الروح القدس، والصفات التي وصفوه بها، وهي قولهم: الناطق في الأنبياء، الناطق بالناموس، والمعلم بالأنبياء، الذي نزل إلى الأردن ونطق بالرسل، روح الله، الذي حبلت منه السيدة العذراء، الذي يؤيد الله به من يشاء من عباده، ويعضدهم ويحفظهم، ويلهمهم، فهذه من صفات الروح القدس جبريل عليه السلام وهذا هو الحق الذي دلت عليه نصوص كتبهم المقدسة من التوراة والإنجيل، وهو الذي يجعله الله في قلوب الأنبياء، هذا إذا كان الروح القدس ليس صفة الله حسب اعتقادهم ألوهيته، لأن صفة الرب القائمة به لاتنطق في الأنبياء، ولاتقوم بتلك الأعمال التي ذكروها، بل هذا كله صفة جبريل عليه السلام وهو الروح القدس كما هو مذكور في الكتب الإلهية، الذي يجعله الله في قلوب الأنبياء بإلهام الوحي الإلهي، وبالقوة والثبات والنصرة التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين
كما تبين لنا أن مراحل إقراراعتقاد النصارى ألوهية المسيح عليه السلام وألوهية الروح القدس، وما تمخض عن هذه العقائد من إضافات عقدية واختلافات حولها في أروقة مجامعهم المقدسة، كانت بدافع الرغبة في السلطان من قبل رجال الدين، بإغراء من سلطة الأباطرة، الذين يؤيدون ما يتفق مع رغباتهم وميولهم، وما يتصورون أن يحقق الأمن والاستقرار لوحدة دولتهم من التمزق والانقسام،الذي ينتج عن الاختلافات العقدية، فكانت تلك القرارت العقدية تحت سلطان الترغيب والترهيب، الذي أدى إلى انحراف النصرانية عن مسارها الصحيح كما أنزلها الله على عبده ورسوله عيسى بن مريم، وآمن به أتباعه من بعده.