ومن خلال ما يأتي من مباحث ومسائل يتبين كل ذلك، وأولها المفهوم الذي سيكون المدخل إلى هذا العلم. ويتضمن تعاريف الثقافة بصفة عامة والثقافة الإسلامية بصفة خاصة من حيث اللغة والإصطلاح.
مفهوم الثقافة
إن في عقولنا جميعاً مفهوماً مشتركاً عن الثقافة يخالطنا في كل لحظة من لحظات التفكير التي يأتي فيها ذكر الثقافة. ولكن قد يستعصي على الحد الجامع المانع كما يقول المناطقه لأننا لا نستطيع أن نُميِّز بسهولة بين ما هو من الثقافة وما ليس منها دون أن نستخدم مقياساً معيناً يكون سابقاً على البحث نصطنعه أو نصنعه (1) .
وإن كلمة ثقافة هي من الكلمات التي دار حول معناها الجدل كثيراً إذ أن هذه الكلمة لم تُعرف بهذا المسمى إلا في العصور المتأخرة سواء في التراث الإسلامي أو التراث الغربي الذي أخذت الكلمة عنه مع اختلاف المدلول بيننا وبينهم، وقبل أن نثبت ما دلت عليه الكلمة في معاجمنا العربية وما تدل عليه في اصطلاح تراثنا الإسلامي، نقف وقفة سريعة على معنى كلمة (ثقافة) في اللاتينية إذ تعني (CULTRصلى الله عليه وسلم) فالمعنى يختلف عن المفهوم العربي للكلمة إذ هي تشتق من الكلمة (CULTUR)
أو (CULTUS) ومن الأصل (CULTIVصلى الله عليه وسلمRصلى الله عليه وسلم) وتحمل الكلمة أساساً معنى زراعة (CULTIVصلى الله عليه وسلمTION) وإن اتسع المعنى والمفهوم بعد ليشير إلى معان أخرى كالتدريب
(TRصلى الله عليه وسلمINING Mصلى الله عليه وسلمNTصلى الله عليه وسلمL) والرضاعة (FOSTصلى الله عليه وسلمRING) والزخرفة
(صلى الله عليه وسلمعز وجلORMصلى الله عليه وسلمNT) والعبادة (WORSHIP) والعقيدة (CULT) وإن كانت كل هذه الاصطلاحات والمعاني سواء ما استخدم فيها بمعنى وصفي أو وظيفي إنما تُعبِّر عن تهذيب شئ ما وتحسينه أو تنميته ويرى أحد الكتاب الغربيين وهو (كهلر)
(KOHLصلى الله عليه وسلمR) أن مفهوم الكلمة الذي يشير إلى زراعة إنما يرجع إلى العصر الوسيط حين كانت توصف عبادة الله بأنها بمثابة زراعة في أرض الله، أو لله تؤدي إنتاجها في الآخرة (2) .