قبل عهده مطلقة مبهمة فجاء كونت موضحاً لها مما يزيل الإشكال ويقيم لها حدوداً بيِّنه فكثر لذلك حساده ومزاحموه.
ولم يكن كونت يكتب كلمة قبل أن يقرر الموضوع ويكتبه جملة فجملة بعد تهيئتها في ذهنه ومتى فرغ من إحضارها جلس يكتب ببراع ميال فيسجل سلسلة من الأفكار تجري على اسلاته بدون انقطاع ولا تردد لقوة ذاكرة كونت واستغنائه عن العود إلى المذكرات ولكن أسلوبه الكتابي لم يكن بالحلة اللائقة لأفكاره البراقة وإذا كنا لا نتوقع منه كتابة كالشعر في تأثيرها وسلاستها إلا أن الكتابة في أرقى الموضوعات العلمية إذا لم تكن طلية مجها أكثر العلماء جلداً على الاستقصاء وإذا قايسنا أسلوب كونت بغيره من الفلاسفة كهيوم وديدرو وباركله رأيناه ثقيلاً جافاً وربما وقعت في كتباته بعض العبارات المتينة إلا أن جميع اصطلاحاته خالية من سلامة الذوق في الانتحاب وقد كان يكثر من أدوات الحال في بعض الجمل حتى لا يثبت على مطالعتها إلا من أوتي الصبر الجميل من تلامذته ولكن قوة فكره ونفوذ نظره وسمو آرائه تشرع له السبيل إلى ذهن القارئ وتستر هذه النقيصة وتضعف تأثيرها وإذا كانت مؤلفاته عظيمة فأسلوبه لا يؤلف جزءاً من تلك العظمة القائمة بماهية الأفكار والممثلة رجاحة العقل الذي أوجدها. وركاكة أسلوبه ناشئة عن عدم مطالعته مؤلفات بلغاء الكتاب فهو لم يقرأ إلا علماً كان يسميه علم حفظ الصحة الدماغية وقبل أن يتم فلسفته الموجبة لم يطالع سوى دواوين اثنين أو ثلاثة من الشعراء في مقدمتهم دانتي وأهمل ما سوى ذلك حتى قراءة الرسائل والمجلات ولكن أصدقاؤه كانوا ينبئونه بكل حادثة جديدة في عالم الفن فأدى هذا الانقطاع إلى تجرير نفسه من قيود الاجتماع والمؤثرات وظلت أفكاره بمعزل عن الاعتبارات الخارجية وإذا كان أفاده من هذه الوجهة فقد أضره من الوجهة الأخرى فأفرط في إهماله وضعف شعوره بالعالم الخارجي وقد وضحت فيه هاتان النقيصتان أواخر أيامه.
وقبل أن تتم ترجمة كونت نسرد حادثة جرت له عام 1845 يوم تعرف إلى مادام دي فو:
كانت هذه العقيلة أيماً لأن زوجها حكم عليه بالسجن المربد ولا نعرف إلا اليسير عن أوصاف المرأة وأخلاقها وكل ما نعلمه هو أنها وضعت قصة رفعتها في عيني كونت إلى مستوى مادام جورج سلند ولم تكن هذه القصة في ذاتها شيئاً يستحق الذكر لا أنها دلّت على