وأمضت الفتاة صباها في المحراب عابدة. . حتى إذا أراد الله لشمس رسالته أن تشرق على يدي رسول، بعث إليها من يبشرها في خلوتها: {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} (?) {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} (?)

" فحملته ". . وخافت ألسنة مبحوحة من طول ما لوثتها الأراجيف. . {فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} (?) ثم وضعت وليدها في مذود. . وصرخة مقرورة مرتشعة تهتف في أعماقها: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} (?) ثم. . على خجل واجف. . وتردد مذعور فأتت به قومها تحمله {قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} (?) {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} (?) {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} (?) {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} (?) {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} (?) {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} (?) {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} (?)

ولكن القوم ما زالوا بمريم ووليدها الرسول. . حتى هاجرت به إلى مصر قرابة اثنتي عشرة سنة، تغزل الكتان، وتلتقط السنبل في أثر الحصادين، وكانت تفعل ذلك والمهد في منكبها، والوعاء الذي فيه السنبل في المنكب الآخر. .

ولكن إرادة الله الغالبة، عادت بالمسيح النبي مرة أخرى إلى هذه البقاع، فجلجل فيها رادعا وواعدا. . حتى أتم رسالته.

وهكذا ينسدل ستار متألق الأبعاد من روعة الحديث القرآني العظيم على أمومات ثلاث، ليترك للأجيال من بعد. . أناشيد من نور ترددها. . وتحيا في معانيها، فإذا كل المعاني الهابطة البليدة قد استحالت إلى تسامق شاهق، وإذا كل الحياة السنة تلهج بتمجيد دور الأم. . إن لم يكن بواقعها المعاش. . فبما أسلفت في التاريخ عن أمجاد بطولية شماء.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015