قصه الحضاره (صفحة 312)

بالأمور الدينية. ولا يقدرون الحياة تقديرا أساسه العاطفة، يقتلون وضميرهم مستريح لأنهم لم يفعلوا ما يخالف الطبيعة البشرية. ولقد كان الجندي المصري يقطع يمين العدو والمقتول أو عورته ويأتي بها إلى الكاتب المختص ليسجل له عمله هذا في صحيفة حسناته (116). وفقد الناس في عهد الأسر المتأخرة عاداتهم وصفاتهم الحربية لطول ما أخلدوا إلى الأمن في الداخل وإلى السلام فيما عدا الحروب البعيدة عن ديارهم؛ وكانت نتيجة هذا أن فئة قليلة من جنود الرومان استطاعت أن تسيطر على مصر كلها (117).

ولما كان أكثر ما نعرفه عن المصريين مستمدا من الآثار التي كشفت في مقابرهم أو النقوش التي على جدران هياكلهم، فقد خدعتنا هذه المصادفة المحضة فبالغنا فيما كانوا يتصفون به من جد ووقار. والحق أن بعض ما خلفوه من تماثيل ونقوش، ومن قصص هزلية عن آلهتهم (118)، ليشهد بأنهم كانوا على جانب غير قليل من المرح والفكاهة، وقد كان لهم كثير من الألعاب والمباريات العامة والخاصة "كالداما" والنرد (119)، وكانوا يقدمون اللعب والدمى لأطفالهم كالبلى والكرة والنطاطة والخذروف، وكانوا يعقدون مباريات في المصارعة والملاكمة وصراع الثيران (120)، وكان خدمهم يمسحون لهم في أعيادهم ونزهتهم أجسامهم بالزيوت. وكانوا يضعون على رؤوسهم أكاليل الزهر ويسقون الخمور تقدم لهم الهدايا، ونستطيع استنادا إلى ما لدينا من رسومهم الملونة وتماثيلهم أن نصورهم خلقا أقوياء الأجسام، مفتولي العضلات، عريضي المناكب، مستدقي الخصور، ممتلئي الشفاه، منبسطي الأقدام لاعتيادهم الحفاء. وهذه الرسوم والتماثيل تمثل الطبقات العليا النحيفة القوام، طويلة في هيبة، ذات وجوه بيضاء وجباه منحدرة منتظمة، وأنوف طويلة مصفحة، وعيون نجل، وكانت بشرتهم بيضاء وقت مولدهم (تشهد بأنهم من أصل آسيوي لا إفريقي)، ولكنها سرعان ما تلفحها شمس مصر فتسمر (121). وقد جرى

طور بواسطة نورين ميديا © 2015