قصه الحضاره (صفحة 15185)

وعلى أية حال، فبالتدريج زادت مكانته بانتصاراته وكلما ارتفع شأن فرنسا حتى وصلت من حيث الثروة والقوة درجة لم تصلها حتى في أيام لويس الرابع عشر - تضاءل هذا الاتجاه المتعالي للأرستقراطية القديمة، فقبل أبناء المهاجرين emigres بسعادة تعيينهم في مناصب أو ألقاب شرفية (تلك المناصب التي كان آباؤهم يصفونها بأنها مناصب أو ألقاب مُحدثي النعمة) وأقبلت السيدات العظيمات ليلتحقن ببلاط جوزيفين، وأخيراً وجدنا بعض النبلاء القدامى ينضمون إلى البلاط الإمبراطوري ليُكسبوه عبير البلاط القديم، ومن هؤلاء النبلاء القدامى: مونتمورنسي Montmorencys ومونتسكيو وسيجور وجرامونت Gramonts ونُوال Noailles وتورين Turennes وقد كافأهم نابليون بأن أعاد لهم بعضاً من ممتلكاتهم المُصادرة·

وبعد أن تزوج نابليون من ماري لويز بدت المواءمة كاملة· لكن كثيراً من مظاهر هذه المواءمة كان سطحياً فأبناء الثورة وبناتها الأكثر حداثة لم يستسيغوا ملكيات ذوي الأصول (المنتمين إلى أسرات عريقة) ولا أوضاعهم المتعالية· والجيش الذي كان لا يزال يتغنّى بالمثل الثورية مُغرماً بها تذمّر لرؤيته مُثله الثورية تتبادل الانحناء مع الأعداء القدامى الذين كانوا يتعالون علي الجنرالات الطوال والعلماء العصبيين وآل بونابرت الطموحين الذين تجرءوا على شغل أماكنهم·

ولتجنّب حرب بالكلمات أو السيوف مع عرين الأسود هذا، أصرّ نابليون على إصدار مدوّنة لقواعد السلوك (كود للاتيكيت Code of etiquette) فعهد إلى بعض الاختصاصيين بكتابتها بتخيّر أفضل النماذج من تراث البوربون، على أن تكون دليلاً للسلوك يمكن إتباعه ويلبي حاجات المواقف المختلفة، بحيث يبدو مسلك المرء ودودا· وبالفعل فقد تم إنجاز هذا العمل في ثمانمائة صفحة ودراسة الفلاسفة ورماة القنابل اليدوية وأصبح البلاط الإمبراطوري نموذجاً يتجلَّي فيه اللباس المتأنق والخطب الجوفاء أو الكلام الفارغ·

طور بواسطة نورين ميديا © 2015