ومن عجب أن الرقيب أجاز الكتاب. ولكن كاترين خافت في 1790 أن يحذو شعبها حذو الثورة الفرنسية. فدونت ملاحظة بضرورة عقاب مغتصب العذارى الستين، ولكنها أمرت بمحاكمة راد شتشيف بتهمة الخيانة. ووجدت في كتابه فقرات عن اقتحام الحصون وثورة الجنود على قيصر قاس، ومدائح للإنجليز لمقاومتهم ملكاً ظالماً. فحكم مجلس الشيوخ على المؤلف بالإعدام؛ وخففت كاترين الحكم إلى النفي عشر سنين في سيبيريا. وسمح الإمبراطور بولس الأول لراد شتشيف بالعودة من المنفى (1796)، ثم دعاه ألكسندر الأول إلى سانت بطرسبرج (1801). وهناك انتحر بعد سنة، لأنه ظن دون مبرر أنه سينفي ثانية. ومصيره ومصير نوفيكوف من الوصمات الكثيرة التي تلطخ عهداً رائعاً.
صنعت كاترين للفن أكثر قليلاً مما صنعته للأدب، لأن الفن لا يستهوي غير الطبقات العليا، ولا يقرع ناقوس الثورة. ولكن الموسيقى الشعبية كانت ثورية دون قصد منها، لأن كلها تقريباً تألف من أغان حزينة في مقام صغير وبمصاحبة شاكية باكية، لا تحكي قصة القلوب التي انفطرت حباً فحسب، بل الأنفس التي براها الكد والكدح. وندر أن سمع النبلاء تلك الأغاني، ولكنهم استمتعوا بالأوبرات الإيطالية التي جلبها إلى سانت بطرسبرج جالوبي، وبايزيللو، وسالبيري وتشيماروزا، الذين كانت الدولة تدفع أجورهم كلهم، أما كاترين نفسها فلم تكون شديدة الحب للأوبرا. قال "لا أستطيع في الموسيقى أن أميز نغمات غير نغمات كلابي التسعة، التي يشترك كل منها بدوره في شرف الوجود في حجرتي، والتي أستطيع التعرف على صوت كل كلب منها عن بعد" (100).
ثم اعترفت أيضاً أنها لا تملك القدرة على فهم الفن. وقد بذلت وسعها لتربي هذا الفهم في روسيا. فوفرت المال الذي مكن بتسكي من أن يدير بالفعل (1764) عجلة أكاديمية الفنون التي أنشئت أيام اليزابث (1757). واشترت روائع الفن المعترف بقيمتها في الخارج وعرضتها في قاعات تحفها،