والظلمةُ فيه من لفظ الحديث، وإنَّما أتى به لِيَكْشِفَ به معنى الحِجَاب، فإنَّه لا حِجَابية في النور، فعبَّر عن معنى الحِجَابية بالظلمة.
ثم إنَّك قد سَمِعْتَ منَّا في أمر الصورة ما سَمِعْتَ، فاسمع الآن ما ذَكَرَهُ الماتريديُّ في الكلام النفسيِّ، فإنه قال: إنَّه غيرُ مسموعٍ، خلافًا للأشعريِّ، فذهب إلى أنَّه مسموعٌ. وحينئذٍ، فالكلامُ المسموعُ من الشجرة عند الماتريديِّ، كان مخلوقًا للَّهِ تعالى، فهل تتعقَّل انفصالَ الكلام عن المتكلِّم؟ وإن كنتَ عَقِلْتَه، وفَهِمْتَهُ، فهلَّا قِسْتَ عليه أمرَ الصورة، ليتجلَّى لك الحالُ؟.
ثم إنَّ تجلِّي الوجه عندي يكون في الجنَّةِ، وتجلِّي الساق في المحشر، وهذا يَعْرِفُهُ المؤمنون. وتجلِّي القدم لخيبة جهنَّم، والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال.
وبالجملة: الرؤيا عبارةٌ عن رؤية تلك التجلِّيات (?).
2 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29)} [النور: 27 - 29].
وقالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الحَسَنِ لِلحَسَنِ: إِنَّ نِسَاءَ العَجَمِ يَكْشِفنَ صُدُورَهُنَّ ورُؤُوسَهُنَّ؟ قالَ: اصْرِف بَصَرَكَ عَنْهُنَّ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30] وَقالَ قَتَادَةُ: عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَهُمْ. {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31] {خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ} [غافر: 19] مِنَ النَّظَرِ إِلَى ما نُهِيَ عَنْهُ. وَقالَ الزُّهْرِيُّ في النَّظَرِ إِلَى الَّتِي لَمْ تَحِضْ مِنَ النِّسَاءِ: لاَ يَصْلُحُ النَّظَرُ إِلَى شَيءٍ مِنْهُنَّ، مِمَّنْ يُشْتَهى النَّظَرُ إِلَيهِنَّ، وَإِنْ كانَتْ صَغِيرَةً، وَكَرِهَ عطَاءٌ النَّظَرَ إِلَى الجَوَارِي يُبَعْنَ بِمَكَّةَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَشْتَرِيَ.