وقال مجاهد: "كانوا يعارضون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الطواف ويصفرون ويصفقون، يخلطون عليه صلاته وطوافه"، ونحو ذلك عن مقاتل.

ولا ريب أنهم كانوا يفعلوا هذا وهذا.

فالمتقربون إلى الله بالصفير والتصفيق أشباه النوع الأول، وإخوانهم المخلطون به على أهل الصلاة والذكر والقراءة أشباه النوع الثاني.

قال ابن عرفة، وابن الأنبارى: المكاء والتصدية ليسا بصلاة ولكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها المكاء والتصدية، فألزمهم ذلك عظيم الأوزار، وهذا كقولك: زرته، فجعل جفائي صلتي، أي أقام الجفاء مقام الصلة.

والمقصود: أن المصفقين والصفارين في يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من هؤلاء، ولو أنه مجرد الشبه الظاهر، فلهم قسط من الذم، بحسب تشبههم بهم، وإن لم يتشبهوا بهم في جميع مكائهم وتصديتهم، والله سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال [وقت الحاجة إليه] في الصلاة إذا نابهم أمر، بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح، لئلا يتشبهوا بالنساء، فكيف إذا فعلوه لا لحاجة، وقرنوا به أنواعاً من المعاصي قولاً وفعلاً؟.

(إنما تسميته رقية الزنا:

فهو اسم موافق لمسماه، ولفظ مطابق لمعناه، فليس في رقى الزنا أنجع منه، وهذه التسمية معروفة عن الفضيل بن عياض.

قال ابن أبى الدنيا: أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن قال: قال فضيل بن عياض:

الغناء رقية الزنا ".

قال إبراهيم بن محمد المروزى عن أبى عثمان الليثي قال: قال يزيد بن الوليد: "يا بنى أمية، إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء، ويزيد فى الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لابد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا".

قال: وأخبرني محمد بن الفضل الأزدي قال: نزل الحطيئة برجل من العرب، ومعه ابنته مليكة، فلما جنه الليل سمع غناء، فقال لصاحب المنزل: كف هذا عني، فقال: وما تكره من ذلك؟ فقال: إن الغناء رائد من رادة الفجور، ولا أحب أن تسمعه هذه، يعنى ابنته، فإن كففته وإلا خرجت عنك.

ثم ذكر عن خالد بن عبد الرحمن قال: "كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك، فسمع غناء من الليل، فأرسل إليهم بكرة، فجيء بهم، فقال: إن الفرس ليصهل فتستودق له الرمكة، وإن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة، وإن التيس لينبّ فتستحرم له العنز، وإن الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة. ثم قال: اخصوهم، فقال عمر بن عبد العزيز: هذه المثلة، ولا تحل، فخل" [سبيلهم قال:] فخلى سبيلهم".

طور بواسطة نورين ميديا © 2015