فجميعُ الخلق مفتقرون إلى الله، مفتقرون إلى الله في كل شؤونِهم وأحوالِهم، وفي كلِ كبيرةٍ وصغيره، وفي هذا العصرُ تعلقَ الناسُ بالناسِ، وشكا الناسُ إلى الناس، ولا بئسَ أن يُستعانُ بالناس في ما يقدرون عليه، لكن أن يكونَ المُعتمَدُ عليهم، والسؤال إليهم، والتعلقُ بهم فهذا هو الهلاكُ بعينه، فإن من تعلق بشيٍ وكلَ إليه.
(والإنسان لا يستغني عن ربه طرفة عين ولا أقل من ذلك، ولهذا كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يردد كثيرا: " لا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
(حديث أبي بكرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين و أصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت.
فقيراً جئتُ بابك يا إلهي ......... ولستُ إلى عبادك بالفقيرِ
غنياً عنهمُ بيقينِ قلبي ........... وأطمعُ منك في لفضلِ الكبيرِ
الهي ما سألتُ سواك عونا ...... فحسبي العونُ من ربٍ قديرِ
الهي ما سألتُ سواك عفوا ..... فحسبي العفوُ من ربٍ غفورِ
الهي ما سألتُ سواك هديا ..... فحسبي الهديُ من ربٍ بصيرِ
إذا لم أستعن بك يا الهي ...... فمن عونيِ سواك ومن مجيرِ
(ولله درُ من قال:
دعوني أناجي مولى جليلا ... إذا الليل أرخى على السدولا
نظرت إليك بقلب ذليل ... لأرجو به يا إلهي القبولا
لك الحمد والمجد والكبرياء ... وأنت الإله الذي لن يزولا
وأنت الإله الذي لم يزل ... حميدًا كريمًا عظيمًا جليلا
تميت الأنام وتحيي العظام ... وتنشى الخلائق جيلا فجيلا
عظيم الجلال كريم الفعال ... جزيل النوال تنيل السؤولا
حبيب القلوب غفور الذنوب ... تواري العيوب تقيل الجهولا
وتعطي الجزيل وتولي الجميل ... وتأخذ من ذا وذاك القليلا
خزائن جودك لا تنقضي ... تعمّ الجواد بها والبخيلا
[*] (أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع أن رجلاً قال لذي النون وهو يعظ الناس: يا شيخ، ما الذي أصنع؟ كلما وقفت على باب من أبواب المولى صرفني عنه قاطع المحن والبلوى.
قال له: يا أخي، كن على باب مولاك كالصبي الصغير مع أمه، كلما ضربته أمه ترامى عليها، وكلما طردته، تقرّب إليها، فلا يزال كذلك حتى تضمه إليها.
[*] (أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع أن الحسن البصري قيل له: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها؟ فقال: خلوا بالرحمن، فألبسهم نورا من نوره.