يا ابنَ آدَمَ إِنّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى ما كانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي، فإن الدعاء مأمور به موعود عليه بالإجابة، كما قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)
[غافر/60]
فالدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه وانتفاء موانعه،
وقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض شروطه أو وجود بعض موانعه،
ومن أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى،
فمن أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبًا لم يرج مغفرة من غير ربه،
ويعلم أنه لا يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره فقوله: " إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي " يعني على كثرة ذنوبك وخطاياك،
ولا يتعاظمني ذلك ولا أستكثره.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه.
فذنوب العباد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها،
[*] كما قال الإمام الشافعي عند موته:
وَلمّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَت مَذَاهِبِي ... جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لِعَفْوكَ سُلَّمًا
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ ... بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعظَمَ
الثاني الاستغفار: فلو عظمت الذنوب وبلغت الكثرة عنان السماء ـ وهو السحاب،
وقيل: ما انتهى إليه البصر منها ـ ثم استغفر العبد ربه عز وجل، فإن الله يغفرها له.
روي عن لقمان أنه قال لابنه: يا بني عود لسانك اللهم اغفر لي فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلاً.
وقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم وعلى موائدكم وفي طرقكم وفي أسواقكم وفي مجالسكم وأينما كنتم، فإنكم ما تدرون متي تنزل المغفرة.
الثالث التوحيد: وهو السبب الأعظم ومن فقده حُرِمَ المغفرة،
ومن أتى به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة.
قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء/166) [*] قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في معنى قوله: " يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة"
يُعْفَى لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك،