الأول: أن السبحة بدعة لم تكن على عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما حدثت بعده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكيف يعقل أن يحض صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه على أمر لا يعرفونه؟ والدليل على ما ذكرت ما روى ابن وضاح في " البدع والنهي عنها" عن الصلت بن بهرام قال: مر ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه، ثم مر برجل يسبح بحصا فضربه برجله ثم قال: لقد سَبقتم، ركبتم بدعة ظلما، ولقد غلبتم أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علما، وسنده صحيح إلى الصلت، وهو ثقة من اتباع التابعين.
الثاني: أنه مخالف لهديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال عبد الله بن عمرو: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعقد التسبيح بيمينه. وقال أيضا (1/ 117): ولو لم يكن في السبحة إلا سيئة واحدة وهي أنها قضت على سنة العد بالأصابع أو كادت مع اتفاقهم على أنها أفضل لكفى فإني قلما أرى شيخا يعقد التسبيح بالأنامل!
ثم إن الناس قد تفننوا في الابتداع بهذه البدعة، فترى بعض المنتمين لإحدى الطرق يطوق عنقه بالسبحة! وبعضهم يعدُّ بها وهو يحدثك أو يستمع لحديثك! وآخِر ما وقعت عيني عليه من ذلك منذ أيام أنني رأيت رجلا على دراجة عادية يسير بها في بعض الطرق المزدحمة بالناس وفي إحدى يديه سبحة! يتظاهرون للناس بأنهم لا يغفلون عن ذكر الله طرفة عين وكثيرا ما تكون هذه البدعة سببا لإضاعة ما هو واجب فقد اتفق لي مرارا - وكذا لغيري - أنني سلمت على أحدهم فرد عليّ السلام بالتلويح دون أن يتلفظ بالسلام ومفاسد هذه البدعة لا تحصى فما أحسن ما قال الشاعر:
وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف
(الكنز الخامس: الحمد:
(معنى الحمد:
الحمد: وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا وإجلالاً، فإذا وصفت ربك بالكمال فهذا هو الحمد، لكن لا بد أن يكون مصحوبًا بالمحبة والتعظيم والإجلال؛ لأنه إن لم يكن مصحوبًا بذلك سمي مدحًا لا حمدًا، ومن ثمَّ نجد بعض الشعراء يمدحون بعض الأمراء مدحًا عظيمًا بالغًا، لكن لو فتشت عن قلبه لوجدت أنه خالٍ من محبة هذا الأمير، ولكنه يمدحه إما لرجاء منفعة أو لدفع مضرة.
أما حمدنا لله - عز وجل - فإنه حمد محبة وتعظيم وإجلال، إذ أن محبة الله - تعالى - فوق كل محبة،
إذاً الحمد: هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم والإجلال، هذا هو الحمد، إذا كررت هذا الوصف سمي ثناءًا، وعليه فالثناء تكرار وصف المحمود بالكمال، ويدل على هذا الفرق الحديث الآتي: