قيل: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم مخيراً - إذا تحاكم إليه أهل الكتاب - بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم. وعن عطاءٍ والنخعي والشعبي: أنهم إذا ارتفعوا إلى حكام المسلمين، فإن شاءوا حكموا، وإن شاؤوا أعرضوا. وقيل: هو منسوخ بقوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ).
وعند أبي حنيفة رحمةُ اللَّه عليه: إن احتكموا إلينا حملوا على حكم الإسلام، وإن زنى منهم رجلٌ بمسلمةٍ، أو سرق من مسلم شيئاً أقيم عليه الحدّ. وأما أهل الحجاز فإنهم لا يرون إقامة الحدود عليهم، يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم، وهو أعظم الحدود، ويقولون: إنّ النبي صلى اللَّه عليه وسلم رجم اليهوديين قبل نزول الجزية.
(فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً) لأنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأيسر .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم بينهم) منع الحريري مثل هذا التكرير في "درة الغواص"، قال: يقولون: المال بين زيد وبين عمرو، بتكرير بين، فيوهمون فيه، والصواب: بين زيد وعمرو، كما قال تعالى: {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} [النحل: 66]، والعلة أن لفظة "بين" تقتضي الاشتراك ولا تدخل إلا على مثنى أو مجموع، كقولك: المال بينهما، والدار بين الإخوة، وأظن أن الذي أوهمهم لزوم تكريره مع الظاهر، وجوب تكريره مع المضمر في مثل قوله تعالى: {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: 78]، فقد وهموا فيه في المماثلة بين الموطنين، وهو أن المعطوف على الضمير المجرور من شرط جوازه تكرير الجار فيه، نحو: مررت بك وبزيد.
قوله: ({فَلَنْ يَضُرُّوكَ}، لأنهم كانوا)، اعلم أن أصل الكلام: فإن جاؤوك فأنت مخير بين أن تحكم بينهم وأن تُعرض عنهم، فلا تخف منهم، فإنهم لن يضروك شيئاً، فوضع "لن يضروك" موضع "لا تخف"، وإنما قدر "لا تخف": "لأنهم كانوا لا يتحاكمون إليه" إلى آخره.