لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ استيفاءِ السِّنِّ الْمَذْكُورِ، فإنَّهُ مِظَنَّةٌ للاحتياجِ إِلَى مَا عِنْدَهُ.
(لاَ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيْ) وسائِرِ مَنْ ذَكَرَهُم الْقَاضِي عِيَاضُ، مِمَّنْ حَدَّثَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ ذَلِكَ لبَرَاعةٍ مِنْهُمْ في العِلْمِ تَقَدَّمَتْ، ظَهَرَ لَهُمْ مَعَهَا الاحْتِياجُ إِلَيْهِمْ، فَحَدَّثُوْا قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ لأنَّهُمْ سُئِلُوا ذَلِكَ إمَّا بصريحِ السُّؤَالِ، وإمَّا بقرينةِ الْحَالِ)). انتهى (?).
فوقتُ التَّحْدِيثِ دائِرٌ بَيْنَ وقتِ الْحَاجَةِ، وسنٍّ مَخْصُوصٍ.
وأما الوَقتُ الَّذِي يُنْتَهَى إِلَيْهِ، فَقَدِ اختُلِفَ فِيْهِ أَيْضاً، وَقَدْ أَخَذَ في بَيَانِهِ، فَقَالَ:
691 - وَيَنْبَغِي الإِْمْسَاكُ إِذْ يُخْشَى الْهَرَمْ ... وَبالْثَمَانِيْنَ ابْنُ خَلاَّدٍ جَزَمْ
692 - فَإِنْ يَكُنْ ثَابِتَ عَقْلٍ لَمْ يُبَلْ ... كَأَنَسٍ وَمَالِكٍ وَمَنْ فَعَلْ
693 - وَالْبَغَوِيُّ وَالْهُجَيْمِيْ وَفِئَهْ ... كَالطَّبَرِيِّ حَدَّثُوْا بَعْدَ الْمِئَهْ
(وَيَنْبَغِي) لَهُ نَدْباً (الإمْساكُ) عَن التَّحْدِيثِ (إِذْ) أي: وقتَ كَوْنِهِ (يُخْشَى الْهَرَمْ) الْمُفضي غَالِباً إِلَى التَّغيُّرِ، وَخوفِ الخَرَفِ، والتَّخْلِيطِ، بِحَيْثُ يروي مَا لَيْسَ مِن حديثِهِ (?).
قَالَ ابنُ الصَّلاَحِ: ((والنَّاسُ فِي السِّنِّ الَّذِي يَحْصَلُ بِهِ الْهَرمُ مُتَفاوِتونَ بِحَسَبِ اختلافِ أحوالِهِم)) (?).
(وبالثَّمَانِينَ) أي: بأحبيةِ الإمْساكِ عَنِ التَّحْدِيثِ عِنْدَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ (ابنُ خَلاَّدٍ) الرَّامَهُرْمُزِيُّ (جَزَمْ)، فَقَالَ: ((إِذَا تَنَاهَى العُمرُ بالْمُحَدِّثِ فأعجبُ إليَّ أَنْ يُمْسِكَ في الثَّمَانِينَ، فإنَّهُ حدُّ الْهرمِ. والتَّسبيحُ، والذِّكرُ، وتلاوةُ الْقُرْآنِ، أَوْلَى بأبْناءِ الثَّمَانِيْنَ)).
قَالَ (?): (فإنْ يَكُنْ ثَابِتَ عَقْلٍ)، وَرأيٍ يَعْرِفُ حَدِيْثَهُ، ويقومُ بِهِ، (لَمْ يُبَلْ) أي: لَمْ يُبالِ بِذَلِكَ، بَلْ رجوتُ لَهُ خيراً (?).