الحال أن العقل يغيب عند استحلاء تناول المشتهى من الطعام عن التفكير في تقلبه في الفم، وبلعه، ويذهل عند الجماع عن ملاقاة القاذورات، لقوة غلبة الشهوة، وينسى عند بلع الرضاب1 استحالته عن الغذاء.
وفي تغطية تلك الأحوال مصالح إلا أن أرباب اليقظة يعتريهم هذا الإحساس من غير طلب له2 في غالب أحوالهم، فينغص عليهم لذيذ العيش، ويوجب الأنفة من رذالة الهوى. وعلى قدر النظر في العواقب يخف العشق عن قلب العاشق، وعلى قدر جمود الذهن يقوى القلق. قال المتنبي3.
لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه
337- ومجموع ما أردت شرحه: أن طباع المتيقظين تترقى، فلا تقف مع شخص مستحسن، وسبب ترقيها التفكير في نقص ذلك الشخص وعيوبه، أو في طلب ما هو أهم منه، وقلوب العارفين تترقى إلى معروفها فتعتبر في معبر الاعتبار.
فأما أهل الغفلة، فجمودهم في الحالتين، وغفلتهم عن المقامين، يوجب أسرهم، وقسرهم، وحيرتهم.