هل آيات الصفات من المحكم أو المتشابه؟

قال الموفق رحمه الله: [اتباعاً لطريقة الراسخين في العلم، الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله سبحانه وتعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران:7]].

ألحق المصنف بعد ذلك ذكر ما يتعلق بالمحكم والمتشابه، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن القرآن كله محكم، وذكر أنه متشابه، وذكر أن منه آيات محكمات وأخر متشابهات.

فأما إحكامه العام فهو ضبطه واستقامة معناه، وأنه حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وأما تشابهه العام، فالمراد به أن بعض القرآن يُصدِّق بعضاً ويشبه بعضاً، كما تقول: هذه المسائل أشباه؛ لما بينها من التوافق والاشتراك.

وأما المحكم الخاص والمتشابه الخاص المذكوران في سورة آل عمران في الآيات التي ذكرها المصنف هنا، فهما محل خلاف بين المفسرين.

مسألة: هناك جملة من المتكلمين اعتبروا آيات الصفات هي المتشابه، ومنهم -وهم قلة من المتكلمين- من جعل آيات الصفات من المتشابه، وفرق بين الطريقتين، فأما من قصر التشابه على آيات الصفات فهم المتكلمون من أهل البدع، وأما من قال: إن آيات الصفات من المتشابه، فكلامه أيضاً لا أصل له، فآيات الصفات لا يجوز أن تُعد من المتشابه، وابن قدامة هنا وَهِمَ رحمه الله، لكن هذا الوهم ليس عقدياً، وإنما هو وهم تفسيري؛ لأنه لم يجعله مطرداً في سائر الصفات، إنما يقول: إن المشكل يكون متشابهاً فقط، والمتشابه يجب تفويضه إلى الله اعتماداً على هذه الآية.

والصحيح أن آيات الصفات من المحكم، وليست من المتشابه، وإنما المتشابه ما أشكل أو تردد معناه، وعليه فقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران:7] إذا كان الوقف على ذلك، فإن المتشابه: هو ما يمكن طائفة من أهل العلم فهمه، ويكون من جنس قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان: (الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس).

وأما إذا كان الوقف على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} [آل عمران:7] وقوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران:7] ابتداء جملة خبرها: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران:7] فإن المتشابه حينئذٍ يراد به: الحقائق الغيبية التي اختص الله سبحانه وتعالى بعلمها، كحقيقة العذاب والنعيم، وكحقائق كيفية صفاته سبحانه وتعالى، فهذه لا يعلمها إلا الله، وهي شيء مجهول للمخاطبين.

ثم قال المصنف رحمه الله: [وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} [آل عمران:7] فجعل ابتغاء التأويل علامةً على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أمَّلوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} [آل عمران:7]].

لم يقصد المصنف بهذا الكلام أن سائر آيات الصفات هي من المتشابه الذي يفوض عن معناه، والدليل على أنه لم يرد ذلك: أنه فصَّل في رسالته هذه -كما فصل في غيرها- ذكر الأسماء والصفات ومعانيها

وما إلى ذلك، ولهذا لما ذكر الإمام ابن تيمية الحنابلة قال: "إنهم ثلاثة أقسام:

قسم يميل إلى شيء من طرق المتكلمين كبعض التميميين كـ ابن عقيل وأمثاله.

وقسم يبالغون في الإثبات ويزيدون فيه، كـ أبي عبد الله بن حامد ".

ثم قال: "وقسم من أصحابنا محققون لطريقة الأئمة كـ أحمد وغيره، وطريقته هي طريقة أهل الحديث المحضة؛ كالشيخ أبي محمد "، ويقصد بالشيخ أبي محمد الموفق ابن قدامة صاحب هذه الرسالة، فحكم شيخ الإسلام عليه حكم عادل، ولهذا لو كان الموفق مفوضاً لما فات شيخ الإسلام ذلك، ولا سيما أن هذه الرسالة: "اللمعة" قد وضع ابن تيمية نفسه رسالته "الواسطية" على نسجها، ومن يتأمل رسالة الموفق ورسالة الإمام ابن تيمية، يجد تشابهاً بيناً بين الرسالتين، حتى أنه كرر بعض الأحرف، ورتب بعض المسائل على نفس المنوال.

وكذلك العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، فإنه بعدما علّق على قول ابن قدامة: "وجب إثباته لفظاً" قال:"

والمصنف رحمه الله إمام في السنة، وهو أبعد الناس عن مذهب المفوضة وغيرهم من المبتدعة، والله أعلم".

اهـ.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015