تَعَالَى:
{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم} (?) .
وَقَدِ اختُلف فِي تَسْبِيحِ الْجَمَادَاتِ الَّتِي لَا تَنْطِقُ؛ هَلْ هُوَ بِلِسَانِ الْحَالِ أَوْ بِلِسَانِ الْمَقَالِ؟ وَعِنْدِي أَنَّ الثَّانِيَ أَرْجَحُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم} ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ تَسْبِيحَهَا بِلِسَانِ الْحَالِ؛ لَكَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا، فَلَا يصحُّ الِاسْتِدْرَاكُ.
وَقَدْ قالَ تَعَالَى خَبَرًا عَنْ داودَ عَلَيْهِ السلامُ:
{إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} (?) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَبَارَكَ الَّذِي ... } إِلَخْ؛ فَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ مَعْنَى {تَبَارَكَ} مِنَ الْبَرَكَةِ؛ وَهِيَ دَوَامُ الْخَيْرِ وَكَثْرَتُهُ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ سَبْقُ النَّقْصِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ تجدُّد الْكَمَالَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ التَّابِعَةِ لِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَإِنَّهَا تتجدَّد فِي ذَاتِهِ عَلَى وَفْقِ حِكْمَتِهِ، فالخلوُّ عَنْهَا قَبْلَ اقْتِضَاءِ الْحِكْمَةِ لَهَا لَا يعتبرُ نَقْصًا (?) (*) .
وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّبَارُكُ بِالثَّبَاتِ وَعَدَمِ التغيُّر، وَمِنْهُ سمِّيت البِرْكَة؛ لِثُبُوتِ مَائِهَا. وَهُوَ بَعِيدٌ.