أما مسألة عودة الشرك وهو المرفوع إِلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أن إليات نساء دوس ستضطرب عَلَى ذي الخلصة) فهذا معلوم أنه صحيح ثابت مرفوع إِلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- توعد معبداً بما تقدم، ثُمَّ استدل بأن الشرك سيقع في هذه الأمة عَلَى أن هذا من الشرك، ومادام أن النَّاس سيعودون كما نص النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تقوم الساعة حتى تلحق فئام من أمتي بالْمُشْرِكِينَ، وحتى تضطرب إليات نساء دوس عَلَى ذي الخلصة) وهو صنم خثعم في الجاهلية. أي: مادام أن الشرك سيقع وهذه الأمة هي أمة الإيمان، وأمة التوحيد والسنة، يعقب ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَيَقُولُ: هذا أول شرك في الإسلام.
إذاً قد ابتُدئ، ولهذا جَاءَ في رواية أخرى: (أوقد فعلوها) . ولهذا قلنا: إن السلف سموا القدرية مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس أثبتوا إلهين خالقين إله الخير وإله الشر، وهَؤُلاءِ أيضاً أثبتوا أن العبد يخلق الشر، أن الله تَعَالَى يخلق الخير.
إذاً: هذا أول شرك وقع في هذه الأمة. [قَالَ: والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يُقدر الخير كما أخرجوه من أن يُقدر الشر] ؛ لأن باب الشر إذا فتح لا ينغلق، ولهذا قال بعض السلف: "إياكم ومحدثات الأمور فإنها تبدو صغارا ثُمَّ تؤول كبارا". فأول ما بدأوا ينزهون الله -بزعمهم- عن الشر فلا يثبتون أنه خالق الشر، ثُمَّ انتهى بهم الحال إِلَى أن وجد من ينكر العلم. إذاً من أنكر علم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أسوأ ممن أنكر نسبة الشر إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.