إذاً هم بهذه الحالة يجعلون المشيئة هي الرضى والشرع. نعم إن الله تَعَالَى لم يرض ولن يرض من الكافر ولا من أحد من الخلق إلا الإيمان ولم يشرع الله للخلق إلا الإيمان، لكن رضاه وشرعه شيء، ومشيئته شيء آخر. وهم لم يفرقوا بينهما فيقولون: [فإن الله قد شاء الإيمان منه] عَلَى قولهم [والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى! وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليل عليه] أي: ليس لديهم دليل من النصوص وإنما هو قول مخالف للدليل، وهذه الشبهة وقعت عندهم بقصد أنهم يعظمون الله ويجلونه، ولغرض آخر وهو: أنهم قالوا: لا نفتح المجال لأهل المعاصي أن يحتجوا ويعتذروا بالقدر، وهذا يدل عَلَى ما أشرنا إليه -سابقاً- ونعيد الإشارة إليه وهو أننا لا نحكم عَلَى الأمور بمجرد مقاصد أصحابها.

لا نقول فلان قصده طيب إذاً كلامه حق؛ بل يقَالَ: إن فلاناً قصده طيب ونيته حسنة ولكن كلامه باطل، فلا يعني صدق النية أحقية القول، فإن عمرو بن عبيد مثلاً كَانَ من العباد الزهاد ومعبد كَانَ فيه عبادة وعلم ولكن لما قالوا: ننزه الله ولا ننسب إليه الشر ولا الظلم ولا نفتح الباب للعصاة والمجرمين، فيذنبون ويجرمون ويقولون هذا بقدر الله، وإن كَانَ قولهم لحسن النية فقد يكون الإِنسَان عَلَى نية حسنة ولكن يكون فعله مردوداً، ولهذا لما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) لم يجعل عليه شرطاً أن تكون نيته سيئة أوقصده بهذا أن يهدم الدين.

الأدلة على بطلان مذهب القدرية

طور بواسطة نورين ميديا © 2015