وأنا أقول: لا نقطع بهذا مع أنه قول تبدو عليه الوجاهة لأن الأحاديث متعارضة، وقد حاولت أن أوفق وأجمع الأحاديث عَلَى هذا القول فلم تجتمع لدي تماماً، والأمر بحاجة إِلَى مزيد تتبع، ولعل الله أن يفتح لنا فيه، ويراجع شرح الحديث في جامع العلوم والحكم لابن رجب، وشفاء العليل لابن القيم.
الكتابة العمرية
وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ويؤمر بأربع كلمات) هذا الملك يأتي إِلَى هذا الجنين فيكتب أربع كلمات (رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) فقوله: "رزقه" يكتب كل ما سيرزق هذا الإِنسَان في حياته، ويوضح ذلك ما قاله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح: (إن روح القدس نفث في روعي) أي: ألقي في نفسي وألقي في قلبي (أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) .
فيكون الطلب كما وصفه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى طلب الذين لا يسألون النَّاس إلحافاً، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وليس رزقه بكثرة الحرص ولا بالإلحاح ولا بكثرة الجهد والعمل، صحيح أنه يعمل ويجتهد ويطلب ويسأل النَّاس فيما هو جائز شرعاً أن يسألهم فيه، لكن كل ذلك مع التعفف عدم الإلحاح، بل مع الطلب الجميل، لأنه لن تموت نفس إلا إذا استكملت ما كتب لها من الرزق، ولو بقي لإنسان أن يأكل شيئاً ما لن يموت حتى يأكله.
ولهذا يعطى للإنسان الشربة من الماء أو التمرة فيشرب النصف أو يأكل النصف ثُمَّ تقبض روحه، ويترك النصف الآخر لأنه أخذ النصف المكتوب، وترك النصف الذي لم يكتب، فلا يمكن أبداً أن يموت إنسان وقد بقي مما كتب له شيء، فهذا الرزق أما الأجل فقد قال تعالى: إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:49] .