وقال العارف ابن أبي جمرة: فيه دليل على أن الإيمان والحكمة جواهر محسوسات لا معاني؛ لأنه عليه السلام قال عن الطست: "إنه أتي به مملوءا حكمة وإيمانًا"، ولا يقع الخطاب إلا على ما يفهم ويعرف، والمعاني ليس لها أجسام حتى تملأ، وإنما يملأ الإناء بالأجسام والجواهر، وهذا نص من الشارع عليه الصلاة والسلام بضد ما ذهب إليه المتكلمون في قولهم: إن الإيمان والحكمة أعراض.
والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه، هو أن حقيقة أعيان المخلوقات التي ليس للحواس فيها إدراك، ولا من النبوة إخبار عن حقيقتها غير محققة، وإنما هي غلبة ظن؛ لأن للعقل -بالإجماع من أهل العقل المؤيدين بالتوفيق- حدًا يقف عنده، ولا يتسلط فيما عدا ذلك، ولا يقدر أن يصل إليه، فهذا وما أشبهه منها؛ لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها الشارع -صلى الله عليه وسلم- في الحديث، ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة