بلبس هذا الثوب النجس من غير خلاف عندنا. فلم يوقع الصلاة إلا وهو مأمور حين إيقاعها بلبس هذا الثوب. فلهذا أمره بالإعادة. ويحتمل أن يكون يرى (?) نقص النجاسة أخفض رتبة من التعري فأمر بالاعادة لينتقل إلى ما هو أعلى في الكمال قليلًا. وعلى هذا التعليل يؤمر بالإعادة عنده من كان واجدًا للثوب النجس حين صلاته عريانًا، ومن كان فاقدًا له ولكنه وجده في الوقت. وقد أجمع أصحابنا على أن الصلاة بالثوب النجس أولى من التعري. وهذا يدل على انخفاض رتبة النجاسة عن التعري. فإن قيل اعتذاركم عن أشهب بهذا يوقعكم في التعقب على سحنون لأنكم ذكرتم عنه أن من صلى بثوب نجس أو ثوب حرير نجس أنه لا يعيد إن وجد حريرًا طاهرًا. والحرير الطاهر أعلى رتبة من الحرير النجس. والحرير الطاهر أيضًا أولى بأن يصلى به من الثوب النجس على مذهب المدونة. فلِمَ لمْ يأمر سحنون بالإعادة لينتقل أيضًا إلى ما هو أعلى في الكمال قليلًا على حسب اعتذاركم عن أشهب. قيل الترجيح ما بين مثل (?) هذه النواهي من أغمض مسائل الفقه. وهي نظير الترجيح بين العلل وبين التأويلات عند أهل الأصول. فقد يغلب على ظن الفقيه أن شيئًا أرجح ويغلب على ظن آخر خلافه. فلم يقدر سحنون بين الحرير الطاهر والحرير النجس من التفاوت في رتب الكمال ما يوجب الإعادة. وأيضًا فإن لبس الحرير محرم والإعادة في الوقت ليست بأمر ضروري، فلم يأمره بلبس الحرير اختيارًا. ألا ترى أن ابن القاسم وأشهب قد قالا فيمن لم يجد إلا ثوبًا حريرًا أن صلاته عريانًا أولى. فإذا كانا قالا في الصلاة الواجبة التي هي معنى الأمر الضروري لا يصلي بالحرير، فلأن يقولا ذلك في الصلاة المعادة في الوقت التي هي في المعنى الاختياري، أولى وأحرى. والثوب النجس اتفق المذهب على أن الصلاة به أولى من التعري. وهذا يدلك على تفاوت منازل هذه الأمور عندهم.
والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: أما الحرير فجمهور العلماء على منعه للرجال وإباحته للنساء. فأما منعه للرجال فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما يلبس