قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ عَلَى نَقْب بَنِي دِينَارٍ، ثُمَّ عَلَى فَيْفاء الخبَار فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ بِبَطْحَاءِ ابْنِ أَزْهَرَ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ السَّاقِ، فَصَلَّى عِنْدَهَا. فثَمَّ مَسْجِدُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصُنع لَهُ عِنْدَهَا طَعَامٌ، فَأَكَلَ مِنْهُ، وَأَكَلَ الناسُ مَعَهُ، فَمَوْضِعُ أثافِيِّ البُرْمة مَعْلُومٌ هُنَالِكَ، واستُقِي لَهُ مِنْ مَاءٍ بِهِ يُقَالُ لَهُ: المُشْتَرَب، ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَرَكَ الخلائقَ بِيَسَارِ وَسَلَكَ شُعبةً يُقَالُ لَهَا: شُعبة عَبْدِ اللَّهِ، وَذَلِكَ اسْمُهَا الْيَوْمُ، ثُمَّ صَبَّ لِلْيَسَارِ حَتَّى هَبَطَ يَلْيَل، فَنَزَلَ بِمُجْتَمَعِهِ وَمُجْتَمَعِ الضَّبُوعة، وَاسْتَقَى مِنْ بِئْرٍ بالضَّبوعة، ثُمَّ سَلَكَ الفَرْش: فَرْشَ مَلَل، حَتَّى لَقي الطريقَ بصُحَيْرات الْيَمَامِ، ثُمَّ اعْتَدَلَ بِهِ الطَّرِيقُ، حَتَّى نَزَلَ العُشَيْرةَ مِنْ بَطْنِ يَنْبُع. فَأَقَامَ بِهَا جمادَى الْأُولَى وَلَيَالِيَ من جمادَى الآخرة، وادعَ فِيهَا بَنِي مُدلِج وحلفاءَهم مِنْ بَنِي ضَمْرة، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يلقَ كَيْدًا.
وَفِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ قَالَ لِعَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا قَالَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَيْثَم الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْب القُرَظي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَيْثم أَبِي يَزِيدَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَفِيقَيْنِ. فِي غَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَامَ بِهَا رَأَيْنَا أُنَاسًا مِنْ بَنِي مُدْلج يَعْمَلُونَ فِي عَيْنٍ لَهُمْ وَفِي نَخْلٍ فَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، هَلْ لَكَ فِي أَنْ تَأْتِيَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَنَنْظُرُ كَيْفَ يَعْمَلُونَ قَالَ: قُلْتُ: إنْ شئتَ قَالَ: فَجِئْنَاهُمْ، فَنَظَرْنَا إلَى عَمَلِهِمْ سَاعَةً، ثُمَّ غَشِيَنَا النَّوْمُ. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَعَلِيٌّ حَتَّى اضْطَجَعْنَا فِي صُور مِنْ النَّخْلِ1، وَفِي دَقْعاء2 مِنْ التُّرَابِ فَنِمْنَا، فَوَاَللَّهِ مَا أهَبَّنا3 إلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ. وَقَدْ تَتَرَّبْنَا مِنْ تِلْكَ الدَّقْعاء الَّتِي نِمْنَا فِيهَا، فَيَوْمَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: "مالك يَا أَبَا تُرَابٍ"، لِمَا يَرَى عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ. ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسِ رَجُلين؟ " قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أُحَيْمِرُ ثَمُودٍ4 الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَاَلَّذِي يَضْرِبُكَ يا عليُّ على هذه -وضع يَدَهُ عَلَى قَرْنه- حَتَّى يَبُلَّ مِنْهَا هَذِهِ -وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ-".
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم إنما سمي