{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} أَيْ: الْكُفْرِ بِالْإِيمَانِ: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فقال تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] أَيْ لَا يُبصرون الحقَّ وَيَقُولُونَ بِهِ حَتَّى، إذَا خَرَجُوا بِهِ مِنْ ظلمةِ الْكُفْرِ أَطْفَئُوهُ بكفرِهم بِهِ وَنِفَاقِهِمْ فِيهِ، فَتَرَكَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ هُدًى، وَلَا يَسْتَقِيمُونَ عَلَى حَقٍّ: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18] أَيْ: لَا يَرْجِعُونَ إلَى الهُدَى، صُم بُكْمٌ عُمي عَنْ الْخَيْرِ، لَا يَرْجِعُونَ إلَى خَيْرٍ، وَلَا يُصِيبُونَ نَجَاةً مَا كَانُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19] .
قال ابن هشام: الصَيِّب: المطهر، وَهُوَ مِنْ صَابَ يَصُوبُ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: السيِّد، مَنْ سادَ يَسُودُ، وَالْمَيِّتُ: مَنْ مَاتَ يَمُوتُ، وَجَمْعُهُ صيائِب. قالَ عَلْقمة بْنُ عَبَدَة، أَحَدُ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَناة بْنِ تَمِيمٍ:
كأنهمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ ... صواعقُها لطيرِهنَّ دَبيبُ
وَفِيهَا:
فَلَا تَعْدِلي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمَّر ... سَقَتْكَ رَوَايا المُزْنِ حيثُ تَصوبُ1
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ هُمْ مِنْ ظُلْمَةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْكُفْرِ والحذَر مِنْ الْقَتْلِ مِنْ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّخَوُّفِ لَكُمْ، عَلَى مِثْلِ مَا وُصف. مِنْ الَّذِي هُوَ فِي ظُلمة الصَّيْب. يَجْعَلُ أصابعَه فِي أُذُنِيهِ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ. يَقُولُ: وَاَللَّهُ مُنْزِل ذَلِكَ بِهِمْ مِنْ النَّقْمة. أَيْ هُوَ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} أَيْ: لِشِدَّةِ ضَوْءِ الْحَقِّ: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} أَيْ: يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ. فَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ بِهِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ فَإِذَا ارْتَكَسُوا مِنْهُ فِي الْكُفْرِ قَامُوا مُتَحَيِّرِينَ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} أَيْ: لِمَا تَرَكُوا مِنْ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20] .
ثُمَّ قَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا: مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ. أَيْ وحِّدوا