عَلَيْهِ أَبُو الحَسَنِ مِنْ حِفْظِهِ مَجْلِساً تزيدُ أَحَادِيثُهُ عَلَى العِشْرِيْنَ, مَتْنُ جَمِيعِهَا: "نِعمَ الشَّيْءُ الهديَّةُ أَمَامَ الحَاجَةِ"1. قَالَ: فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ ثُمَّ جَاءهُ بَعْدُ، وَقَدْ أَهْدَى لَهُ شَيْئاً فقرَّبه,. وَأَمْلَى عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيْثاً, مُتُوْنُ جَمِيعِهَا: "إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيْمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ" 2.

قُلْتُ: هَذِهِ حِكَايَةٌ صَحِيحَةٌ, رَوَاهَا الخَطِيْبُ عَنِ العَتِيْقِيِّ, وَهِيَ دالَّة عَلَى سَعَةِ حِفظِ هَذَا الإِمَامِ، وَعَلَى أَنَّهُ لوَّح بطلبِ شَيْءٍ, وَهَذَا مَذْهَبٌ لِبَعضِ العُلَمَاءِ، ولعلَّ الدَّارَقُطْنِيَّ كَانَ إِذْ ذَاكَ مُحْتَاجاً, وَكَانَ يَقبلُ جَوَائِزَ دَعْلَجٍ السِّجْزِيِّ، وَطَائِفَةٍ, وَكَذَا وَصلَهُ الوَزِيْرُ ابْنُ حِنْزَابَةَ بِجُملَةٍ من الذهب لما خرَّج له المسند.

قَالَ الحَاكِمُ: دَخَلَ الدَّارَقُطْنِيُّ الشَّامَ وَمِصْرَ عَلَى كِبَرِ السِّن, وحجَّ وَاسْتفَادَ وَأَفَادَ, وَمصنَّفَاتُهُ يَطُولُ ذكرُهَا.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِيمَا نقلَهُ عَنْهُ الحَاكِمُ وَقَالَ: شَهِدْتُ بِاللهِ إِنَّ شيخَنَا الدَّارَقُطْنِيَّ لَمْ يُخَلِّفْ عَلَى أَدِيمِ الأَرضِ مِثلَهُ فِي مَعْرِفَةِ حَدِيْثَ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَكذَلِكَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ وَأَتْبَاعِهِم, قَالَ: وتوفِّي يَوْمَ الخَمِيْسِ لثمانٍ خَلَوْن مِنْ ذِي القَعْدَةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ, وَكَذَا أرَّخ الخَطِيْبُ وَفَاتَهُ.

وَقَالَ الخَطِيْبُ فِي تَرْجَمَتِهِ: حدَّثني أَبُو نَصْرٍ عَلِيُّ بنُ هِبَةِ اللهِ بنِ مَاكُولاَ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسأَلُ عَنْ حَالِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الآخِرَةِ, فَقِيْلَ لِي: ذَاكَ يُدْعَى فِي الجَنَّةِ الإِمَامُ.

وصحَّ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا شَيْءٌ أَبغضُ إِلَيَّ مِنْ عِلمِ الكَلاَمِ.

قُلْتُ: لَمْ يَدْخلِ الرَّجُلُ أَبداً فِي علمِ الكَلاَمِ وَلاَ الجِدَالِ، وَلاَ خَاضَ فِي ذَلِكَ, بَلْ كَانَ سلفيّاً, سَمِعَ هَذَا القَوْلَ مِنْهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السلمي.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015