غَيْرِ مَا وَجْهٍ, فَخَلُصَ محموداً، وَأَقَامَ بِمَا حَمَلَ مشكوراً, ثُمَّ ولَّاه قَضَاءَ كورَةَ مارِدَة1, ثُمَّ ولَّاه قَضَاءَ الثُّغُوْرِ الشَّرْقِيَّةِ كُلِّهَا, ثُمَّ نَقَلَهُ إِلَى قَضَاءِ القُضَاةِ، وَالصَّلاَةِ بِجَامعِ الزَّهرَاءِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ حَزْمٍ: أَخْبَرَنِي حَكَمُ بنُ مُنذرِ بنِ سَعِيْدٍ, أَخْبَرَنِي أَبِي أنَّه حجَّ رَاجِلاً مَعَ قَوْمٍ رجَّالة, فَانقَطَعُوا وَأَعوَزَهُمُ المَاءُ فِي الحِجَازِ وَتَاهُوا, قَالَ: فَأَوَيْنَا إِلَى غارٍ نَنْتَظِرُ المَوْتَ, فَوَضَعْتُ رَأْسِي مُلْصَقاً بِالجَبَلِ, فَإِذَا حجرٌ كَانَ فِي قُبَالَتِهِ, فَعَالَجْتُهُ, فَنَزَعْتُهُ, فَانبَعَثَ المَاءُ فَشَرِبْنَا وتزوَّدنا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: حُدِّثْتُ أنَّ رَجُلاً وَجَدَ القَاضِي مُنْذِرَ بنَ سَعِيْدٍ فِي بَعْضِ الأَسحَارِ عَلَى دكَّانِ المسجد, فعرفه, فجلس إليه وقال: يا سيِّدَي, إِنَّكَ لتغرِّرُ بِخُروجِكَ، وَأَنْتَ أَعْظَمُ الحكَّامِ, وَفِي النَّاسِ المحكومُ عَلَيْهِ، وَالرَّقيقُ الدَّيِّن, فَقَالَ: يَا أَخِي, وأنَّى لِي بِمِثْلِ هَذِهِ المنزلَةِ؟ وأنَّى لِي بِالشَّهَادَةِ؟ مَا أَخرجُ تعرُّضاً للتَّغرُّرِ, بَلْ أَخرجُ مُتَوَكِّلاً عَلَى اللهِ؛ إِذْ أَنَا فِي ذِمَّتِهِ, فَاعلَمْ أنَّ قَدَرَهُ لاَ محيدَ عَنْهُ، وَلاَ وَزَرَ دُوْنَهُ.
قَالَ الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ: قَحطَ النَّاسُ فِي بَعْضِ السِّنينَ آخِرَ مُدَّةِ النَّاصِرِ, فَأَمرَ القَاضِيَ منذرَ بنَ سَعِيْدٍ بِالبُرُوزِ إِلَى الاسْتِسْقَاءِ بِالنَّاسِ, فصَامَ أَيَّاماً وتأهَّب, وَاجتمعَ الخلقُ فِي مصلَّى الرَّبَضِ، وَصعِدَ النَّاصِرُ فِي أَعْلَى قَصرِهِ لِيشَاهِدَ الجمعَ, فَأَبطأَ مُنذرٌ, ثُمَّ خَرَجَ رَاجِلاً متخَشِّعًا، وَقَامَ لِيَخْطُبَ, فلمَّا رَأَى الحَالَ بَكَى وَنَشَجَ, وَافتَتَحَ خُطْبَتَهُ بِأَنْ قَالَ: سلاَمٌ عليكُمٌ, ثُمَّ سَكَتَ شبهَ الحَسِيرِ, وَلَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ, فَنَظَرَ النَّاسُ بعضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ, لاَ يَدْرُوْنَ مَا عَرَاهُ, ثُمَّ انْدَفَعَ فَقَالَ: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأَنْعَام: 54] اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، وتقرَّبوا بِالأَعمَالِ الصَّالِحَةِ لَدَيْهِ, فضجَّ النَّاسُ بِالبُكَاءِ, وَجَأَرُوا بِالدُّعَاءِ وَالتَّضرُّعِ, وَخَطَبَ فَأَبْلَغَ, فَلَمْ يَنْفَضّ القَوْمُ حَتَّى نَزَلَ غَيثٌ عَظِيْمٌ.
واسْتَسْقَى مرةًَ, فَقَالَ يَهْتِفُ بِالخلقِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّه} [فَاطِر: 15] فهيِّج الخلقَ عَلَى البُكَاءِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَنْ يَذكُرُ أَنَّ رَسُوْلَ النَّاصِرِ جَاءهُ للاسْتِسْقَاءِ, فَقَالَ لِلرَّسُوْلِ: هَا أَنَا سَائِرٌ, فَلَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي يَصْنَعُهُ الخَلِيْفَةُ فِي يَوْمنَا هَذَا, فَقَالَ: مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ أَخْشَعَ مِنْهُ فِي يَوْمِهِ هَذَا, إِنَّهُ مُنفردٌ بِنَفْسِهِ, لاَبسٌ أَخشنَ الثِّيَابِ, مُفترشٌ التُّرَابَ, قَدْ عَلاَ نَحِيْبُهُ وَاعْتَرَافُهُ بذنوبه,