رضيت وقبلت جميع ما فى هذا المكتوب الثابت، وتقبل بيدى، إلى أضيافى السلطان والسلطانة مدَّ لى هنا كما".

وهكذا اعتزم أبو عبد الله أمره، وعول فى النهاية على مغادرة الوطن المغلوب وتوفيت زوجته أثناء ذلك، فلم يحل الرزء دون مضيه، فى اتخاذ أهبة الرحيل. وفى أوائل شهر أكتوبر سنة 1493، غادر أبو عبد الله الوطن القديم، فى غمر من الحسرات والأسى، وجاز البحر إلى المغرب، بأسرته وأمواله وحشمه، من ثغر أدرة الصغيرة الواقع جنوبى برجة، فى سفينة كبيرة أعدت لجوازه، وعبر فى نفس الوقت من ثغر المنكب؛ عدد كبير من الوزراء والقادة والأكابر، من صحبه ممن آثروا الرحيل، وبلغ جميع الذين عبروا مع الملك المخلوع ألفاً ومائة وثلاثين شخصاً (?).

ونزل أبو عبد الله أولا فى مليلة ثم قصد إلى فاس واستقر بها (?). وتقدم إلى ملكها السلطان أبى عبد الله محمد الشيخ، زعيم بنى وَطّاس (?) الذين خلفوا بنى مرين فى الملك، مستجيراً به، مستظلاً بلوائه ورعايته، معتذراً عما أصاب الإسلام فى الأندلس على يده، متبرئا مما نسب إليه من إثم وتفريط فى حق الوطن والدين.

وهذا الدفاع الشهير الذى يقدمه إلينا أبو عبد الله عن موقفه وتصرفه، هو قطعة رائعة من الفصاحة السياسية والبيان الساحر، وهو يدل فى روحه وقوته وروعته، على فداحة التبعة التى شعر آخر ملوك الأندلس أنه يحملها أمام الله والتاريخ، وأمام الأمم الإسلامية والأجيال القادمة كلها، وعلى أن هذا الأمير المنكود لم يرد أن ينحدر إلى غمر النسيان والعدم، محكوماً عليه دون أن يبسط للتاريخ قضيته، فيصدر حكمه فيها على ضوء أقواله ودفاعه.

وقد كتب هذا الدفاع الشهير، الفريد فى التاريخ الإسلامى، على لسان أبى عبد الله

طور بواسطة نورين ميديا © 2015