وقضى ابن رشد في منفاه في اليسّانة نحو ثلاثة أعوام، ثم عفا عنه المنصور، ورده إلى سابق منصبه وحظوته (594 هـ). وعاد ابن رشد إلى مراكش، ولكنه لم يمكث بها سوى فترة يسيرة، وتوفي في التاسع من شهر صفر سنة 595 هـ (10 ديسمبر سنة 1198 م) وهو في الخامسة والسبعين من عمره. وقد سبق أن أفضنا القول في اتهام ابن رشد ونكبته، وأوردنا نص المرسوم الموحدي الصادر بشأن اتهامه (?).

وكان من أعلام المفكرين والفلاسفة الأندلسيين في أوائل العهد الموحدي، العلامة اليهودي، موسى بن ميمون، واسمه العربي، أبو عمران موسى بن ميمون ابن عبد الله القرطبي الأندلسي الإسرائيلى، واسمه اليهودى موسى بن ميمون، وقد ولد بقرطبة سنة 530 هـ (1135 م) ودرس بها علوم الأوائل والرياضيات والفلسفة على أقطاب عصره، وبرع في الطب والفلسفة والدراسات التلمودية. ولما غلب الموحدون على الأندلس، وأصدر الخليفة عبد المؤمن في أواخر عهده قراره الشهير بنفى النصارى واليهود من المغرب والأندلس، إلا من اعتنق الإسلام منهم، ومن بقى ولم يعتنق الإسلام، حل ماله ودمه، تظاهر كثير من النصارى واليهود الذين آثروا البقاء باعتناق الإسلام، وكان من هؤلاء موسى بن ميمون وأسرته. وعبر ابن ميمون البحر إلى المغرب في سنة 557 هـ، وأنفق بضعة أعوام في فاس حاضرته العلمية، وهو يزاول مهنة الطب التي اشتهر بها، ويستتر في نفس الوقت بمزاولة شعائر الإسلام، ولكنه كان يرقب الفرصة لمغادرة المغرب إلى بلاد أوسع آفاقا ورزقا. فلما سنحت هذه الفرصة، سار مع أهله إلى مصر، ونزل بالقاهرة (سنة 561 هـ)، وأقام بالفسطاط بين أبناء دينه اليهود، مظهراً دينه الحقيقي، وأخذ يرتزق بتجارة الجوهر، وتزوج أختا لرجل يهودى من كتاب السلطان يدعى أبا المعالى، واتصل بواسطته بالبلاط، وأسبغ عليه القاضي الفاضل رعايته لما كان يتصف به من علم غزير وبراعة في الطب. وعين ابن ميمون طبيباً خاصاً للسلطان صلاح الدين، وغدا عميد الجالية اليهودية بالقاهرة. وكان يلقب بالرئيس لمكانته العلمية البارزة. ولما توفي صلاح الدين،

طور بواسطة نورين ميديا © 2015