جموع الثوار إلى القصر من كل ناحية، وتأهب الحكم في حرسه وغلمانه لردها، وبعث ابن عمه عبيد الله البلنسي صاحب الصوائف، والحاجب عبد الكريم، في قوة من الفرسان والمشاة، فاستقبلت الجموع الزاحفة، وردتها إلى الوراء بعد أن نفذت إلى فناء القصر، ثم شقت طريقها إلى النهر واقتحمته إلى الضاحية الثائرة، وأضرمت النار في عدة من أنحائها، ونجحت هذه الوسيلة في تفرقة ْشمل الثوار، إذ ما كادت ألسنة اللهب تبدو، حتى هرع الكثير منهم إلى دورهم يحاولون إطفاء النار وإنقاذ الأهل والولد. وهنا احتاط الجند بالثوار من كل ناحية وأمعنوا فيهم قتلا حتى أفنوا منهم خلقاً كثيراً، وطاردوهم في كل مكان، ونهبت دورهم، وأسر منهم عدد كبير، وفر من استطاع، ومنهم بعض الفقهاء والمحرضين مثل طالوت وغيره، والتجأ البعض إلى طليطلة، واستمر القتل والنهب ثلاثة أيام حتى مزقوا كل ممزق، وصلب الحكم تجاه قصره على شاطىء النهر ثلاثمائة رجل من الثوار، صفوفاً منكسة، إرهاباً لأهل قرطبة. ثم كف الجند عنهم، ونودي بالأمان وهدأت الفتنة، وأمر الحكم بديار الثوار فهدمت عن آخرها، ولا سيما "الرَّبَض"، القبلي الذي كان مهد الفتنة، وقام على الهدم ربيع القومس عامل أهل الذمة وقائد الغلمان الخاصة، فمسح أحياء الثوار مسحاً، وغدت ْألوف كثيرة منهم دون مأوى، وأمر الحكم بخروجهم من قرطبة في الحال، وأن

طور بواسطة نورين ميديا © 2015