ثم من أين بَدَا لأبي رَيَّةَ (?) أنَّ عمر بن عبد العزيز لما عاجلته المَنِيَّةُ انصرف ابن حزم عن كتابة الحديث وكذا انصرف كل من كانوا يكتبون معه؟ ولم لا يكون الأمر على خلاف هذا وأنهم سارعوا إلى جمع الأحاديث وتدوينها - وهذا هو الواقع - ولا سيما وهو يعلمون أَنَّ السُنَّةَ هي الأصل الثاني من أصول التشريع وأنهم حينما يقومون بجمعها وتدوينها وتنقيتها مِمَّا علق بها إنما يقومون بواجب ديني كريم فهذا هو الظن الذي يليق بهؤلاء السادة الذين هم من خير القرون بشهادة الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -.
ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن التدوين، وإن كان بدأ بصفة عامة على رأس المائة الأولى، إِلاَّ أنه بدأ بصفة خاصة من عهد الرسول وفي حياته فقد كان بعض الصحابة والتابعين يقيدون الأحاديث والسنن وفي الروايات الصحيحة الموثوق بها ما يدل على ما أقول.
ففي " صحيح البخاري " عن أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ مِنِّي حَدِيثًا إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَ [كُنْتُ] لاَ أَكْتُبُ».
وروى " البخاري " و" مسلم " أن أبا شاه اليمني التمس من النَّبِي صَلَّى اللَّهُ