وهذا التراضي يفترض، في الواقع، أن يكون كل شيء في القضايا مستمدًّا من الشرع صراحة. وبهذه الشرعية في كل شيء, وتجاه كل شيء -يحدد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معنى الإيمان في قوله: "الدين النصيحة، لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" 1.
وأكثر تحايلًا من ذلك، تلك الطرق التي يصطنعها لأنفسهم أولئك المثقفون ثقافة قانونية، فهم على الرغم من تكلفهم احترام الشريعة، وحرصهم على أن لا يصادموا حروفها -يحاولون أن يجدوا فيها مخرجًا جانبيًّا يشبع أنانيتهم، ولقد أشار الحكيم الترمذي في كتاب "الأكياس والمغترين" إلى عدد من هذه الحيل:
منها: القاضي الذي يتقبل بعض الأشياء من أطراف النزاع على أنها "هدية" على حين لم يؤتها إلا بوصفه قاضيًا، ولم تقدم إليه إلا كرشوة.
ومنها: المدين الذي يرجو دائنه أن يعطيه مخالصة عامة من كل ما يمكن أن يحاسبه عليه، دون تحديد "تاركًا الأمر في نطاق الغموض، ولكن المخالصة التي يظفر بها لا صحة لها أبدًا عند الله".
ومنها: الزوج الذي تنازل له امرأته عن جزء من مالها، كيما تتفادى سوء المعاملة من ناحية زوجها، "فهذا الصنيع لا يمكن أن يعتبر بالاختيار الكامل، بل هو أدنى من أن يكون عطية عن طيب نفس، على ما اختار القرآن أن يعبر به على وجه الاشتراط، في قوله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} "2.