هذا النحو من القسوة. فهم يبرئون المتطرف بالنقيض المتطرف، حتى يعود المرء بعد ذلك إلى الوضع العادي، ومتى ما انطرحت عن نفسه أثقال هذه القوى المناهضة للأخلاق سمح لها بإرخاء العنان لجوارحها شيئًا فشيئًا، إذ كانت مطمئنة منذئذ إلى قدر من النور في القلب، يعصمها من الوقوع في ظلمات الحواس بسهولة.
هذه الطريقة في معالجة نفس المبتدئين في الطريق بقسوة لا تبدو لنا مع ذلك إبداعًا أو ابتكارًا، حين نضعها في مجموع النظم الإنسانية المناظرة لها، فلقد اتبع الناس في كل عصر نفس المنهج كلما أرادوا أن يحدثوا تغييرًا ذا طابع عميق، وهكذا تصنع الأم لتفطم ولدها، كما يفعل المروض ليستأنس الوحوش، ويدرب جوارح الصيد1.
أما فيما يتعلق بالنساك أنفسهم، فلما كان سعيهم إلى اكتساب التطهر بالجهد والجهاد، فليس من المستبعد أنهم قد فرضوا على أنفسهم هذه القساوة في بداية2 مضمارهم. لكنهم إذا تخطوا هذه المرحلة التعليمية يتبعون بصفة عامة المسيرة العادية، ولا يلجئون من بعد إلى هذا التكلف.