من العلماء القدامى لم ترَ في تلك الأمثلة والشواهد إلا مصادفات محضة تنوسيت فيها خطوات التطور المعنوي عن طريق المجاز والكناية، ولو أمكن تتبع تلك الخطوات واحدة واحدة لوقعنا على المعنى الأصلي الحقيقي للفظ ثم رأيناه آخذًا في التطور، يلبس كل يوم زيًّا جديدًا، ويعبر في كل بيئة تعبيرًا معينًا. وفي طليعة هؤلاء العلماء المنكرين للاشتراك، المسرفين في إنكاره، وابن دُرُسْتَوَيه1 في كتابه "شرح الفصيح"2.

فإذا ظن الناس من قبيل المشترك مثل لفظ "وجد" الذي لم يفد معاني مختلفة إلا بسبب العوارض التصريفية، فيقال: "وجد الشيء وُجدانًا إذا عثر عليه، ووجد عليه مَوْجِدة إذا غضب، ووجد به وَجْدًا إذا تفانى بحبه؛ لم يسلم ابن درستويه بأن هذا لفظ واحد قد جاء لمعانٍ مختلفة، "وإنما هذه المعاني كلها شيء واحد، وهو إصابة الشيء خيرًا كان أو شرًّا؛ ولكن فرقوا بين المصادر؛ لأن المفعولات كانت مختلفة، فجعل الفرق في المصادر بأنها أيضًا مفعولة، والمصادر كثيرة التصاريف جدًّا، وأمثلتها كثيرة مختلفة، وقياسها غامض، وعللها خفية، والمفتشون عنها قليلون، والصبر عليها معدوم، فلذلك توهم أهل اللغة أنها تأتي على غير قياس؛ لأنهم لم يضبطوا قياسها، ولم يقفوا على غورها"3.

ويبدو أن أبا علي الفارسي كان ينظر إلى الموضوع نظرة معتدلة، لا يغالي فيها في إنكار الاشتراك مغالاة ابن درستويه، ولا يبالغ في جميع صوره مبالغة الفريق الأول، فهو يقول: "اتفاق اللفظين واختلاف

طور بواسطة نورين ميديا © 2015