جَالس فَسَأَلَهُ عَن سَبَب جُلُوسه فَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا لَهُ أصل فَقَالَ بل أصلان وأخبار العناياتي كَثِيرَة ونوادره شهيرة وَمِمَّا يستجاد من شعره قَوْله
(لَو كنت شَاهده وَقد غسق الدجى ... ودموعه فِي خَدّه تتحدر)
(لرثيت يَا مولَايَ للْعَبد الَّذِي ... شوقاً إِلَيْك فُؤَاده يتفطر)
وزار الْحسن البوريني مرّة فِي الْمدرسَة الناصرية الجوانية وَكَانَ مجاوراً بهَا للْقِرَاءَة على مدرسها أستاذه الْعِمَادِيّ الْحَنَفِيّ فَلم يجده فَكتب لَهُ على بَابهَا معاتباً
(يزِيد لكم جفاكم من ودادي ... وذنبي عنْدكُمْ تِلْكَ الزياده)
(لكم مني مقَال أبي فراس ... ولي مِنْكُم مقَال أبي عباده)
أَرَادَ بقول أبي فراس
(أَسَاءَ فزادته الاساءة حظوة ... حبيب على مَا كَانَ فِيهِ حبيب)
وَبقول أبي عبَادَة
(إِذا محاسني اللَّاتِي أدل بهَا ... صَارَت ذنوباً فَقل لي كَيفَ أعْتَذر)
وزاره أُخْرَى فَوَجَدَهُ نَائِما فَكتب على بَاب الْحُجْرَة قَوْله
(جَاءَ محب إِلَيْك بعد سنه ... رآك محتجباً عَنهُ بسنه)
(يَا حسنا جَاءَهُ الْمُحب فَمَا ... أبصره سوء حَظه حسنه)
ثمَّ زَارَهُ أُخْرَى فَلم يجده فَكتب أَيْضا على الْجِدَار قَوْله
(قد كَاد من فَرح يطير إِلَيْك فِي ... مثنى ثَلَاثًا مذاليك تشوقا)
(فَأَعَادَهُ حاشاك فقدك خائباً ... لاذقت طعم رُجُوعه صفر اللقا)
وَكتب إِلَى بعض من يهواه وَقد اتّفق أَنه زَاد فِي جفاه وَأسْندَ إِلَيْهِ أقاويل لم تصدر مِنْهُ وَإِنَّمَا جعلهَا سَببا للتقاطع عَنهُ قَوْله
(إِن الْمُحب عناؤه لَا يبرح ... فِي الْقرب والأبعاد فَهُوَ مبرح)
(الْقلب بالشوق الشَّديد مجرح ... والطرف بالدمع المديد مقرح)
(وَإِلَى مَتى هَذَا الهوان من الْهوى ... وَالله إِن الْمَوْت مِنْهُ أروح)
(قد كَانَ جرح الصد مِنْك نكاية ... فَأتى فِرَاق بِالَّذِي هُوَ اجرح)
(مَا أَنْت إِلَّا الرّوح إِن حجبت فَمَا ... للجسم غير الرّوح شَيْء يصلح)
فيا مولَايَ من أَيْن قيض لنا هَذَا الْحجاب وأتانا من الْبعد بِعَذَاب لم يكن فِي حِسَاب فولله أَنِّي مُنْذُ سَمِعت هَذِه الْأَخْبَار لم يقر لقلبي قَرَار وَلَا وجدت هدى وَلَا هُدُوا