.. واعلم أن عامة مسائل أصول الدين الكبار مثل الإقرار بموجود الخالق وبوحدانيته، وعلمه وقدرته ومشيئته وعظمته، والإقرار بالثواب، وبرسالة محمد – صلى الله عليه وسلم – وغير ذلك مما يعلم بالعقل قد دل الشارع على أدلته العقلية، وهذه الأصول التي يسميها أهل الكلام العقليات، وهي ما تعلم بالعقل، فإنها تعلم بالشرع، لا أعني بمجرد إخباره، فإن ذلك لا يفيد العلم إلا بعد العلم بصدق المُخبِر، فالعلم بها من هذا الوجه موقوف على ما يُعلم بالعقل من الإقرار بالربوبية وبالرسالة، وإنما أعني بدلالته وهدايته، كما أن ما يتعلمه المتعلمون ببيان المعلمين، وتصنيف المصنفين إنما هو لما بينوه للعقول من الأدلة.

... فهذا موضع يجب التفطن له، فإن كثيراً من الغالطين من متكلم ومحدِث ومتفقه وعاميّ وغيرهم يظن أن العلم المستفاد من الشرع إنما هو مجرد إخباره تصديقاً له فقط، وليس كذلك، بل يستفاد منه بالدلالة، والتنبيه والإرشاد جميع ما يمكن ذلك منه من علم الدين.

... وقال أيضاً: إن أصول الدين الحق الذي أنزل الله به كتابه، وأرسل به رسوله – صلى الله عليه وسلم – وهي الأدلة والبراهين، والآيات الدالة على ذلك، قد بينها الرسول – صلى الله عليه وسلم – أحسن بيان، ودل الناس عليها، وهداهم إلى الأدلة والبراهين اليقينية التي بها يعلمون المطالب الإلهية، وبها يعلمون إثبات ربوبية الله ووحدانيته وصفاته وصدق رسوله – صلى الله عليه وسلم – والمعاد، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة العقلية، بل ويما يمكن بيانه بالأدلة العقلية وإن كان لا يحتاج إليها، فإن كثيراً من الأمور تعرف بالخبر الصادق، ومع هذا فالرسول – صلى الله عليه وسلم – بين الأدلة العقلية الدالة عليها، فجمع بين الطريقين: السمعي والعقلي.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015