حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَطَشِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ مَرْوَانَ الْكَاتِبُ، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ أَشْرَسَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ فَاضِلًا، عَنْ وَهْبٍ، قَالَ: " مَرَّ عَابِدٌ بِرَاهِبٍ فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مُنْذُ كَمْ أَنْتَ فِي هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ؟ قَالَ: مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً. -[44]- قَالَ: فَكَيْفَ صَبَرْتَ فِيهَا سِتِّينَ سَنَةً؟ قَالَ: مُرَّ فَإِنَّ الدُّنْيَا تَمُرُّ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَاهِبُ، كَيْفَ ذِكْرُكَ لِلْمَوْتِ؟ قَالَ: مَا أَحْسِبُ عَبْدًا يَعْرِفُ اللهَ تَعَالَى تَأْتِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا، وَمَا أَرْفَعُ قَدَمًا إِلَّا أَظُنُّ أَنِّي لَا أَضَعُهَا حَتَّى أَمُوتَ، قَالَ: فَجَعَلَ الْعَابِدُ يَبْكِي. فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: هَذَا بُكَاؤُكَ فِي الْعَلَانِيَةِ فَكَيْفَ أَنْتَ إِذَا خَلَوْتَ؟ فَقَالَ الْعَابِدُ: إِنِّي لَأَبْكِي عِنْدَ إِفْطَارِي فَأَشْرَبُ شَرَابِي بِدُمُوعِي، وَأَبُلُّ طَعَامِي بِدُمُوعِي، وَيَصْرَعُنِي النَّوْمُ فَأَبُلُّ مَضْجَعِي بِدُمُوعِي. قَالَ: أَمَا إِنَّكَ إِنْ تَضْحَكُ وَأَنْتَ مُعْتَرِفٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِذَنْبِكَ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَبْكِي وَأَنْتَ تَمُنَّ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَأَوْصِنِي بِوَصِيَّةٍ. قَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ النَّحْلَةِ، إِنْ أَكَلَتْ أَكَلَتْ طَيِّبًا، وَإِنْ وَضَعَتْ وَضَعَتْ طَيِّبًا، وَإِنْ سَقَطَتْ عَلَى شَيْءٍ لَمْ تَضُرَّهُ وَلَمْ تَكْسِرْهُ، وَلَا تَكُنْ فِي الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ الْحِمَارِ، إِنَّمَا هِمَّتُهُ أَنْ يَشْبَعَ ثُمَّ يَرْمِي بِنَفْسِهِ فِي التُّرَابِ، وَانْصَحْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نُصْحَ الْكَلْبِ لِأَهْلِهِ، فَإِنَّهُمْ يُجِيعُونَهُ وَيَطْرُدُونَهُ وَهُوَ يَحْرُسُهُمْ "