لا شك في أن الصاع النبوي هو صاع أهل المدينة الذي كان متداولًا عندهم لما هاجر إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لم يُنقل في كتب السنة والسيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع لهم مكيالًا غيَّر به مكيالَهم الذي ألفاهم عليه. وأخرج النسائي عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المكيالُ مكيالُ أهل المدينة، والوزنُ وزنُ أهل مكة". (?) وإن قولَه في الدعاء لهم: "اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم ومُدِّهم" - كما في حديث الموطأ (?) - يزيدنا يقينًا بهذا.
فالصاع الشرعي هو صاع المدينة الموجود في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -. والمدُّ هو مد أهل المدينة؛ إذ به جرت التقاريرُ الشرعية. وبلادُ العرب معروفة بقلة الأقوات فيها وبقناعة أهلها، وذلك يقتضي أن تكون مكاييلُهم صغيرة. ويُسمَّى المد أيضًا المَكُّوك (بفتح الميم وتشديد الكاف)، كما في حديث الثلث عند النسائي. (?) وكانت وحدةُ المكاييل عندهم المد، ومن أربعة أمدادٍ يكون الصاع.
وقد استمر الصاعُ النبوي مكيالًا لأهل المدينة إلى زمن هشام بن المغيرة المخزومي أمير المدينة في خلافة هشام بن عبد الملك الأموي، فجعل هشام لهم مُدًّا أكبرَ من المد النبوي وصاعًا على نحو ذلك المد، ويُسَمَّى المدَّ الهشامي والمدَّ