وكذلك رُوي أن دواد بن علي (?) قام للخطبة، فلما قال: "أما بعد"، أُرتج عليه فقال: "أما بعد فقد يجد المعسر، ويعسر المؤسر، ويُفَلُّ الحديد، [ويقطع الكليل]. وإنما الكلامُ بعد الإفحام كالإشراق بعد الإظلام. وقد يعزب البيان، ويعتقم الصواب، وإنما اللسان مضغةٌ من الإنسان، يفتر بفتوره إذا نكل، ويثوب بانسباطه إذا ارتجل. ألا وإنا لا ننطق بطرًا، ولا نسكت حصرًا، بل نسكت معتبرين، وننطق مُرشِدين. ونحن بعد ذلك أمراء القول، فينا وشجت أعراقُه (?)، وعلينا عطفت أغصانُه، ولنا تهدلت ثمرته (?)، فنتخير منه ما احْلُولَى وعذب، ونطرح منه ما املولح وخبث. ومن بعد مقامنا هذا مقام، ومن بعد يومنا أيام، [يعرف فيها فضل البيان وفصل الخطاب] ". (?)
فبذلك كان في إرتاجِه أبلغَ منه في ارتجاله، ولولا أن هذه المعاني كانت حاضرةً في ذهنه حتى صار بها خطيبًا في بيان أحوال الخطيب، لسكت وحُبس لسانه.