فهؤلاء المؤمنون لما سمعوا وأطاعوا خفَّف عنهم وحَطَّ عنهم الإصرَ الذي حمل على من كان قبلهم، وأولئك لما عَصَوا واعتدَوا وقالوا: قلوبنا غُلْف، قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء:160]، وقال تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام:146]، ثم قال: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} [النساء:162]. إذ قد أخبر أن منهم من لا يعلم الكتاب إلا أمانيَّ، ومنهم من يحرِّفه من بعد ما عقلَه، ومنهم من يكذِّب ويكتُم ويَلوِي لسانَه ويكتُب بيده، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وهؤلاء وإن ذُكِر لهم علم فليسوا براسخين في العلم، إذ الرسوخ في العلم يقتضي الثبات والاستقرار فيه، وذلك مستلزمٌ لاتباعِه والعمل به، كما قيل: العلمُ يَهتِفُ بالعمل، فإن أجابَه وإلّا ارتحَل.
وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبيَّنّا تلازمَ العلم التام والعمل، وأنهما حيث لم يتلازما فلضعف العلم، مثل علم الرواية باللسان. وفي مراسيل الحسن: «العلم علمان، علم في القلب وعلم على اللسان، فعلمُ القلب العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده».