706 - (خ م ت) سعيد بن جبير -رحمه الله -: قال: قلتُ لابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما: إنَّ نَوْفاً البِكاليُّ (?) يزْعُمُ أنَّ مُوسى - صاحبَ بني إسرائيل - ليس هو صاحبَ الخَضِرِ (?) . -[221]-
فقال: كذبَ عَدُوُّ الله (?) ، سَمِعتُ أُبَيَّ بن كَعْبٍ يقول: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قام موسى -عليه السلام -خَطيباً في بني إسرائيل» ، فسُئل: أَي الناس أعلمُ؟ فقال: أنا أعلم، قال: فعتَبَ الله عليه إذْ لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فأَوحْى الله إليه: إنَّ عبداً من عبادي بمجْمَع البحرين، هو أعلم منك (?) ، قال موسى، أيْ ربِّ، كَيْفَ لي به؟ فَقِيلَ له: احْمِلْ حُوتاً في مِكْتَلٍ، فحيثُ تَفْقِدُ الحُوتَ، فهو ثَمَّ، فانطلق وانطلق معه فتاهُ (?) ، وهو يُوشَعُ بنُ نونٍ، فحملَ مُوسَى حوتاً في مِكتَلٍ، فانطلق هو وفتاه يَمشِيانِ، حتى أَتيا الصخرةَ، فَرقَدَ موسى وفتاه، فاضطرب الحوتُ في المكتل، حتى خرجَ من المكتلِ، فسقط في البحر، -[222]- قال: وأَمْسك الله عنه جِرْيَةَ الماء حتى كان مِثلَ الطَّاق (?) فكان للحوت سَرباً وكان لموسى وفتاهُ عَجباً، فانطلقا بقيةَ ليلتهما ويومَهما (?) ، ونسي صاحبُ موسى أنْ يُخبِرَهُ، فلما أَصبح موسى عليه السلام قال لفتاه: {آتنا غَداءنا لقد لَقِينا من سفرنا هذا نَصباً} [الكهف: 62] قال: ولم ينَصبْ حتى جاوزَ المكانَ الذي أُمِرَ به {قال أرأيتَ إذْ أوَيْنا إلى الصخرةِ فإني نسيتُ الحوتَ ومَا أنْسانِيهُ إلا الشيطانُ أَن أذكره واتَّخذَ سبيلَه في البحر عَجباً} قال موسى: {ذلك ما كُنَّا نَبْغ (?) فارتَدَّا على آثارهما قَصَصاً} [الكهف: 63، 64] قال: يَقُصَّان آثارَهُما، حتى أتَيا الصخرةَ، فرأى رجلاً مُسجّى عليه بثوب، فسلَّم عليه موسى، فقال له الخضر: أنَّى بأرضك السلام (?) ؟ قال: أنا موسى، قال: -[223]- موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: إنَّك على علمٍ من علم الله علَّمَكَهُ اللهُ لا أعْلَمُهُ، وأَنا على علم من علم الله عَلمنِيهِ لا تَعْلَمُهُ، قال له موسى: {هل أتَّبِعُكَ على أن تُعلِّمني (?) مما عُلِّمتَ رُشْداً. قال إنك لن تَسْتطيع معي صَبْراً. وكيف تَصْبِرُ على ما لم تُحِطْ به خُبْراً. قال سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللَّهُ صابراً ولا أعصي لك أمراً} قال له الخضر: {فإن اتَّبَعْتَني فلا تَسألني عن شيء حتى أُحْدِثَ لك منه ذكراً} [الكهف: 66 - 70] قال: نعم، فانطلق موسى والخَضر يَمشِيانِ على ساحل البحر، فمرَّت بهما سفينةٌ، فكَلَّموهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُما، فَعَرَفُوا الخَضِرَ، فحملوهما بغير نَوْلٍ، فَعَمَدَ الخضرُ إلى لوْحٍ من ألواح السفينة، فنزعه، فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير نولٍ، عمدت إلى سفينتهم، فخرقتها {لتُغْرِق أَهلها لقد جئت شيئاً إمْراً (?) . قال ألم أقل إنَّك لن تستطيع معي صبراً. قال لا تُؤَاخِذني بما نَسيتُ ولا تُرْهِقْني من أمري عُسْراً} [الكهف: 71، 73] ، -[224]- ثمَّ خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذا غُلامٌ يلعبُ مع الغلمان، فأخذَ الخضرُ برأْسِهِ، فاقْتلَعَهُ بيده، فقتله، فقال موسى: {أقَتَلْتَ نَفْساً زاكيةً (?) بغير نفسٍ لقد جئتَ شيئاً نُكْراً. قال ألم أقُلْ لك إنك لن تستطيع معي صبراً} [الكهف: 74، 75] قال: وهذه أشَدُّ من الأولى {قال إِن سألتُكَ عن شيءٍ بعدها فلا تُصاحبنِي قد بَلَغْتَ من لَّدُنِّي عُذْراً. فانطلقا حتى إذا أَتَيا أهلَ قَريةٍ اسْتَطْعَمَا أهْلها فأبَوْا أَن يُضَيِّفُوهما فَوَجَدا فيها جِداراً يُرِيدُ أن يَنْقَضَّ} يقول: مائل، قال الخضر بيده هكذا {فأقامَه قال} له موسى: قومٌ أتَيناهُمْ، فلم يضيفونا، ولم يُطْعمونا {لو شِئتَ لاتَّخذتَ عليه أجراً. قال هذا فِراقُ بيني وبينِك سأُنَبِّئُك بتأويلِ ما لم تَسْتَطِعْ عليه صَبراً} [الكهف: 76 - 78] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحُم الله موسى لوَدِدْتُ أنه كانَ صَبَرَ، حتى كان يقصُّ علينا من أخبارهما» قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت الأولى من موسى نسياناً» قال: وجاءَ عُصْفُورٌ حتى وقع على حرفِ السَّفِينةِ، ثُمَّ نَقَرَ في البحر، فقال له الخضرُ: ما نَقَصَ علمي وعلمُك من علم الله، إلا مثلَ ما نَقَصَ هذا العُصفُور من البحر.
زاد في رواية: «وعِلْمُ الخلائِقِِ» ثم ذكر نحوه.
قال سعيد بن جبير: وكان يقرأ «وكان أمامَهُم (?) ملك يأخذ كل سفينةٍ غَصْباً» وكان يقرأ «وأما الغلام فكان كافراً» . -[225]-
وفي رواية قال: «بينما موسى- عليه السلام - في قومه يُذَكِّرُهم بأيَّام الله، وأيَّامُ الله: نَعماؤه وبلاؤه، إذْ قالَ: ما أعلمُ في الأرض رجلاً خَيْراً أو أعلمَ مِنِّي» قال: ... وذكر الحديث.
وفيه «حُوتاً مالِحاً» .
وفيه: «مُسَجّى ثَوْباً، مستلقياً على القفا، أو على حُلاَوَةِ الْقَفَا» .
وفيه: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «رحمةُ الله علينا وعلى مُوسَى، لَوْلاَ أَنَّهُ عَجَّلَ لَرأى العجبَ، ولكنَّه أخذَتْهُ من صاحِبِه ذَمامَةٌ، قال: {إِن سألتُكَ عن شيءٍ بعدها فلا تُصاحبنِي قد بَلَغْتَ من لَدُنِّي عُذْراً} ولو صبَر لرأى العجبَ، قال: وكان إذا ذَكرَ أَحدا من الأنبياءِ بَدأَ بنفسه، ثم قال: {فانطلقا حتى إذا أتيا أهلَ قريةٍ} لئِامٍ، فطافا في المجلس، فاسْتَطعَما أهلها {فأَبَوْا أَن يُضيِّفُوهما} إلى قوله: {هذا فِرَاقُ بيني وبينِك} قال: وأخذ بثوبه، ثم تلا إلى قوله: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} إلى آخر الآية [الكهف: 79] ، فإذا جاء الذي يُسَخِّرُها وجدها مُنْخرِقَةً، فتجاوزها، فأصلحوها بخشبَةٍ وأما الغلام فطُبِعَ يومَ طُبعَ كافراً، وكان أبواه قد عَطفا عليه، فلو أنه أدرك {أرْهَقهما طُغياناً وكفراً فأردنا أن يُبدِلهما ربُّهما خَيراً منه زكاةً وأقربَ رُحْماً} » .
وفي رواية قال: «وفي أصل الصَّخْرةِ عَينٌ يقال لها: الحياةُ لا يُصيِبُ من مائها شيءٌ إلا حَيِيَ، فأصابَ الحوتَ من ماءِ تلك العين فتحرَّكَ، وانْسلَّ -[226]- من المِكْتل» . وذكر نحوه.
وفي رواية: «أنه قيل له: خُذْ حوتاً، حتى تُنْفَخَ فيه الروحُ، فأخذ حوتاً، فجعله في مكتل، فقال لفتاهُ: لا أُكَلِّفُكَ إلا أن تُخْبِرَني بحيثُ يُفارِقُكَ الحوتُ، فقال: ما كَلَّفْتَ كبيراً» ... وذكر الحديث.
وفيه «فوَجدا خَضِراً على طُنْفُسَةٍ (?) خضراءَ على كَبِدِ الْبَحْرِ، وأن الْخَضِرَ قال لموسى: أما يَكْفيكَ أنَّ الْتَّوْرَاةَ بِيَدَيْكَ، وأَنَّ الْوَحْيَ يأتيك، يا موسى، إنَّ ليَ عِلْماً لا ينبغي لك أن تعلَمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعْلَمه (?) » .
وفيه في صفة قتل الغلام «فأضجعَهُ فذبحه بالسِّكين» .
وفيه «كان أبواه مؤمنين، وكان كافراً {فَخشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً} يحملهما حُبُّهُ على أن يُتَابِعَاهُ على دينه {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً - لقوله: {قتلت نفساً زكية} - وَأقْرَبَ رُحْماً} أَرحمُ بهما من الأول الذي قَتلَ الخضرُ» .
وفي رواية «أَنهما أُبْدِلا جَارِية» . -[227]-
وفي رواية عُبَيْد الله بن عبد الله بن عُتْبَةَ بن مسعود أنَّ ابن عباسٍ تَمارَى هو والحُرُّ (?) بنُ قيس بن حِصْنٍ الفزَاريُّ في صاحبِ موسى عليه السلام، فقال ابن عباس: هو الْخَضِرُ، فمرَّ بهما أُبَيُّ بن كعبٍ، فَدعاهُ ابنُ عباسٍ فقال: يا أبا الطُّفيل، هَلُمَّ إلينا فإنِّي قد تماريتُ أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيلَ إلى لُقِيِّهِ، فهل سمعتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يذكُرُ شأْنَهُ؟ فقال أُبيٌّ: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بَيْنا موسى في ملأٍ من بني إسرائيل، إذ جاءهُ رَجُلٌ، فقال له: هل تَعْلم أحداً أعلمَ منك؟ قال موسى: لا، فأوْحى الله تعالى إلى موسى: بلى، عبدُنا الخضر (?) ، فسأَل موسى السبيلَ إلى لُقِيِّهِ، فجعل الله له الحوتَ آية ... وذكر الحديث إلى قوله: {فَارْتَدَّا عَلَى آثارِهِما قَصَصاً} فوجدا خضراً، فكان مِن شأنِهما ما قصَّ اللهُ في كِتابِهِ» . هذه رواياتُ البخاري، ومسلم.
ولمسلم رواية أخرى بطولها، وفيها فانطلقا، حتى إذا لَقيا غِلْماناً يَلْعَبون، قال: فانطلقَ إلى أحدهم بَادِيَ الرأْي، فقتَله، قال: فَذُعِرَ عندها -[228]- موسى ذُعْرَة مُنْكَرَة، قال: {أقَتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند هذا المكان: «رحمةُ الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عَجَّلَ لرأى العجبَ، ولكنه أَخَذَتْهُ منْ صَاحِبهِ ذَمَامَةٌ» .
وعند البخاري فيه ألفاظ غير مسندة، منها: «يزعمون أن الملك كان اسمه: هُدَدُ بنُ بُدَدَ، وأنَّ الغلام المقتول: كان اسمه فيما يزعمون: حَيْسُور» (?) .
وفي رواية في قوله قال: {ألَمْ أَقُلْ إنَّكَ لَنْ تَستَطِيعَ مَعيَ صَبْراً} قال: «كانت الأولى نسياناً، والوسطى: شَرْطاً، والثالثةُ عمْداً» (?) .
وأخرجه الترمذي مثل الرواية الأولى بطولها.
(وفيها (?) قال سفيان: «يَزْعُمُ ناسٌ أنَّ تِلكَ الصخرةَ عندها عَيْنُ الحياةِ، لا يُصيبُ ماؤها مَيتاً إلا عاش. قَالَ: وكان الحوتُ قد أُكِلَ منه، فلما قُطِرَ عليه الماء عاشَ» ... وذكر الحديث إلى آخره) .
وفي رواية لمسلم أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرأ {لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أجْراً} .
وعنده قال: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «الغلامُ الذي قتله الخضرُ طُبِع كافراً، ولو عاش لأَرْهَق أبويه طُغياناً وكفراً» .
وفي رواية الترمذي أيضاً: قال «الغُلام الذي قتله الخضرُ: طُبعَ يَومَ طُبع كافراً ... لم يَزِدْ» . -[229]-
وأخرج أبو داود من الحديث طَرَفَيْنِ مختصرَيْنِ عن أبُيِّ بن كعبٍ:
الأول، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الغلام الذي قتله الخضر: طُبِع يوم طبع كافراً ولو عاش لأَرْهَق أبويه طُغياناً وكفراً» .
والثاني: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «أبْصرَ الخَضِر غُلاماً يلعبُ مع الصبيان، فَتَناول رأسَه فقَلَعه، فقال موسى: {أقتلت نفساً زَكِيَّةً ... } الآية» .
وحيث اقتصر أبو داود على هذين الطرفين من الحديث بطوله لم أُعْلِمْ عَلامَتهُ (?) .
S (مِكْتَل) المكتل: شبه الزنبيل، يسع خمسة عشر صاعاً.
(سَرَباً) السرب: المسلك.
(نصباً) النصب، التعب.
(أوينا) أي: يأوي إلى المنزل: إذا انضم إليه ورجع. -[230]-
(فارتدا) افتعلا من الارتداد: وهو الرجوع.
(قَصَصاً) القصص: تتبع الأثر شيئاً بعد شيء، والمعنى: رجعا من حيث جاءا، يقصان الأثر.
(مسجى) المسجى: المغطى.
(رَشَداً) الرَّشَد والرُّشْد: الهدى.
(نول) النَّوْل: العطية والجعل. تقول: نِلْت الرجل أنوله نولاً: إذا أعطيته، ونلت الشيء أناله نيلاً: وصلت إليه.
(إمْراً) الإمر: الأمر العظيم المنكر.
(حُلاوة القَفا) قال الجوهري: حُلاوة القفا بالضم: وسطه، وكذلك حلاوى القفا: فإن مددت، فقلت: حَلاواء القفا: فتحت.
(ذَمامَة) الذمامة بالذال المعجمة: الحياء والإشفاق من الذم، وبالدال غير المعجمة: قبح الوجه، والمراد الأول.
(أرهقهما طغياناً) يقال: رَهِقَه - بالكسر، يَرْهَقه رهقاً، أي: غشيه وأرهقه طغياناً وكفراً، أي أغشاه أياه، ويقال: أرهقني فلان إثماً حتى رهَقْتُه، أي: حملني إثماً حتى حملته له، والطغيان: الزيادة في المعاصي.
(طنَْفسه) الطنفسة: واحدة الطنافس: وهي البُسُط التي لها خَمَل رقيق.
(كبد البحر) كبد كل شيء: وسطه. وكأنه أراد به ها هنا: جانبه.
(تمارى) المماراة: المجادلة والمخاصمة.