جامع الاصول (صفحة 6362)

6138 - (م د) عوف بن مالك - رضي الله عنه - قال: «خرجتُ مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتةَ، وَرَافَقَني مَدَدِيٌّ (?) من اليمن، ليس معه غيرُ سيفِهِ، فنحرَ رجل من المسلمين جَزُوراً، فسأله المَدديُّ طائفة مِنْ جِلدِه، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدَّرَقِ، ومضينا فَلَقِينا جموعَ الرُّوم فيهم رجل على فرس له أشقرَ، عليه سَرْج مُذَهَّب، وله سِلاح مذهّب، فجعل الرُّوميُّ يَفَرِي بالمسلمين، فقعد له المدديُّ خلف صَخْرَة، فمرَّ به الرُّوميُّ فعَرقَبَ فرسه بسيفه، وخرَّ الروميُّ، فعلاه بسيفه وقتله، وجاز فرَسه وسلاحَه، فلما فتح الله للمسلمين، بعث إليه خالدُ بنُ الوليد فأخذ منه بعضَ السَّلَبِ، قال عوف: فأتيتُ خالداً، وقلتُ له: أما علمتَ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- قضى بالسَّلَبِ للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرتُهُ، قلت: لَتَرُدَّنَّه إليه أو لأُعَرِّفَنَّكَها عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فأَبى أن يَرُدَّ عليه، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقصَصْتُ عليه قِصَّةَ المدديِّ، وما فعلَ خالد، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: يا خالد، ما حَمَلَك على ما صنعتَ؟ قال: استكثرتُهُ، فقال: رُدَّ عليه الذي أَخذتَ منه، قال عوف: فقلتُ: دونَكها يا خالد، ألم أُوفِ (?) لك؟ [فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: وما ذلك؟ فأخبرتُه، قال:] فَغَضِبَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: -[353]- يا خالد، لا تردَّ عليه، هل أنتم تاركون (?) لي أُمَرائي لكم صِفْوة أَمرهم، وعليهم كَدَرُه؟» أخرجه أبو داود.

وفي رواية مسلم قال: «خرجتُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مَع زيد بن حارثة في غزوة مؤتةَ، ورافقني مدديٌّ من اليمن ... » وساق الحديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بنحوه. هكذا قال مسلم، ولم يذكر لفظه، ويعني بنحوه: الرواية التي تجيءُ له بعد هذه، فإنه ذكرها في كتابه قبل هذه، قال: غيرَ أَنَّهُ قال في الحديث «قال عوف: فقلتُ: يا خالدُ، أما علمتَ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالسَّلَبِ للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته» .

وله في رواية «قال عوفُ بنُ مالك: قَتَلَ رجل من حِميرَ رجلاً من العَدُوِّ، فأراد سَلَبه، فمنعه خالدُ بنُ الوليد، وكان والياً عليهم، فأتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عوفُ بنُ مالك فأخبره، فقال لخالد: ما منعكَ أن تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟ قال: استكثرتُهُ يا رسول الله، قال: ادفَعْهُ إليه، فمرَّ خالد بعوف فجرَّ بردائه، ثم قال: هل أنجزْتُ لكَ ما ذكرتُ لكَ مِنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم-؟ فسمعه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فاستُغْضِبَ، فقال: لا تُعْطِهِ يا خالدُ، هل أنتم تاركون (?) لي أُمرائي؟ إنما مثلُكم ومثلُهم: كَمَثَلِ رجل استُرْعِي إِبلاً أو غنماً -[354]- فرعاها، ثم تَحيَّنَ سَقْيها، فأوردها حوضاً، فَشَرَعَتْ فيه، فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ، وتَرَكَتْ كَدَرَهُ، فَصَفْوُهُ لكم، وكَدَرُهَ عليهم» (?) .

S (يَفْرِي بالمسلمين) كناية عن شدة نِكايته فيهم، يُقال: فلان يفري الفِرِيَّ: إذا كان يُبالغ في الأمر، وأصل الفَرْي: القطع.

(لأعَرِّفَنّكَها) أي: لأجازينَّك بها، حتى تعرف صنيعك هذا.

(دونكها) أي: خذها، كأنه وافقه على ما وعده.

(صِفْوةُ) الشيء - بكسر الصاد -: خالصه، وما صفا منه، إذا أثْبَتَّ الهاء كسرت الصاد، وإذا حذفتها فتحتها، فقلت: صَفْوُ الشيء.

(تَحَيَّن) تحيَّنتُ وقتَ الشيء: إذا انتظرتَه وتَرقَّبْتَه، وهو طلب الحين.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015