جامع الاصول (صفحة 6349)

غزوة خَيْبر

6125 - (خ م د س) سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - قال: «خرجنا مَعَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم- إلى خَيْبَرَ، فَسِرْنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعامرِ بن الأكوع: ألا تُسْمِعُنا من هُنَيْهَاتِكَ (?) ؟ وكان عامر رجلاً شاعراً، فنزل يَحْدو بالقوم، يقول: -[336]-

اللَّهُمَ (?) لولا أَنتَ مَا اهتَدَيْنَا ... وَلا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّينَا

فَاغفِرْ فِدَاء لَكَ (?) مَا اقْتَفَيْنا ... وَثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لاقيْنَا

وَأَلْقِيَنْ سَكِينَة عَلَيْنا ... إنَّا إذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنا

وبِالصيِّاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا

فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: مَن هذا السائق؟ فقالوا: عامرُ بنُ الأكوع، فقال: يرحمه الله، قال رجل من القوم: وَجَبَتْ يا رسول الله؛ لولا مَتَّعْتَنا به! ، قال: فأتينا خيبرَ، فحاصرناهم، حتى أصابتْنا مَخْمَصَة شديدة، ثم إن الله فتحها عليهم، فلما أمْسَى الناسُ مساءَ اليوم الذي فُتِحَتْ عليهم أوْقدوا نيراناً كثيرة، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: ما هذه النيرانُ؟ على أيِّ شيء توقدون؟ قالوا: على لحم، قال: على أيِّ لحم؟ قالوا: لحم الحُمُر الإِنسية، -[337]- فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: أهْرِيقُوها واكْسِرُوها، فقال رجل: يا رسول الله، أوَ نُهرِيقُها ونغسلها؟ فقال: أَو ذَاكَ، فلما تَصَافَّ القومُ كان سَيفُ عامر فيه قِصَر، فتناول به يهودياً ليضربَهُ، فرجع ذُبابُ سيفه، فأصاب رُكْبَتَهُ، فماتَ منها، فلما قَفَلُوا، قال سلمةُ: رآني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- شاحِباً ساكتاً (?) ، قال سلمةُ - وهو آخذ بيدي -[قال: ما لك؟] فقلت [له] : فداك أبي وأُمِّي، زعموا أن عامراً حَبِطَ عَمَلُه، قال: مَن قاله؟ قلتُ: قاله فلان وفلان، وأُسَيْد بنُ حُضَير، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: كذبَ مَن قاله، إن له لأجْرَيْن، وجمع بين إصبعيه، إنه لجاهد مُجاهِد، قَلَّ عربيّ مشى بها مثلَه. وفي رواية: نشأ بها» . أخرجه البخاري ومسلم، ولم يقل مسلم: «نشأ بها» .

ولمسلم قال سلمةُ: «لما كان يومُ خيبر قاتَل أخي قتالاً شديداً مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فارتدّ عليه سَيْفُهُ فقتله، فقال أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم- في ذلك - وشكُّوا فيه - رجل مات في سلاحه، قال سلمةُ: فقفل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- من خيبرَ، فقلت: يا رسولَ الله، ائْذَنْ لي أن أرْجُزَ بك، فأَذِنَ له رسول الله -[338]- صلى الله عليه وسلم- فقال عمر [بن الخطاب] : اعلمْ ما تقول، فقلتُ:

واللهِ لولا الله مَا اهْتَدَيْنا ... وَلا تَصَدَّقْنا ولا صلّينَا

فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: صدقتَ.

فأنزِلَنْ سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقَينَا

والمشركون قد بَغَوْا علينا

فلما قضيتُ رَجَزي، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: مَن قال هذا؟ قلتُ: قاله أخي، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: يرحمه الله، قال: فقلتُ: يا رسول الله، والله إِن ناساً ليهابون الصلاة عليه، يقولون: رَجُل مات بسلاحه، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: كذبوا، مات جاهِداً مجاهداً» .

قال ابن شهاب: ثم سألتُ ابناً لسلمةَ بنِ الأكوع؟ فحدَّثني عن أبيه مثل ذلك، غير أنه قال - حين قلتُ: «إن ناساً يهابون الصلاة عليه» ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: «كذبوا مات جاهداً مجاهداً، فله أجره مرتين» .

وأخرجه أبو داود مختصراً، قال: «لما كان يومُ خيبر قاتل أخي قتالاً شديداً، فارتدَّ عليه سَيفُهُ فقتله، فقال أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم- في ذلك - وشكُّوا فيه - رجل مات بسلاحه، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: ماتَ جاهداً مُجاهداً. -[339]-

قال ابن شهاب: ثم سألت ابناً لسلمة بنِ الأكوع ... » وذكر باقي الحديث إلى آخره.

وأخرجه النسائي مثل رواية مسلم المفردة بطولها، وزاد: «وأشار بإصبعيه» (?) .

S (هُنَيْهَاتِكَ) هنيهاتك وهُنَيَّاتك، يعني: الأشياء التي تظهر منه مما يُسْتَغْرَبُ ويستظرف ويُسْتَحْسَن ويُشتهى ونحو ذلك.

(وَجَبَتْ) قوله: وجبت، أي: وجبت الرحمة والمغفرة التي تَرَحمَّ بها عليه، يعني: أنه باستغفاره له وجبت له المغفرة، وأنه يُقتَل شهيداً، وقد تقدَّم معنى قولهم: «لولا متّعتنا» .

(مَخْمَصَة) المخمصةُ: المجاعة.

(ذُبَاب) السيفِ: طرفُه الذي يُضرَبُ به.

(قَفَلُوا) قفل المسافر: إذا رجع من سفره. -[340]-

(شاحباً) الشاحبُ: الجسم المتغيِّر، تقول: شَحَبَ يَشْحَبُ.

(حَبِطَ) عمله، أي: بطل، وضاع أجرُه.

(جاهداً) الجاهد: المبالغُ في الأمر الذي ينتهي إلى آخر ما يَجِد، والمجاهد: الغازي في سبيل الله تعالى.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015